عَجَزَة تعبدونهم، إنَّ هذا لن يكونَ أبداً، لأنه سبحانه هو وحده ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي خالق السموات والأرض وما فيهنّ، ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾: يعني وهو الذي يُطعِمُ خَلقه لافتقارهم إليه، ولا يُطعِمُهُ أحد لِغِناه المُطلَق عن ذلك، إذ هو سبحانه ليس بمحتاجٍ إلى رزق، ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾: أي أُمِرتُ أن أكونَ أول مَن خضع للهِ وانقاد له بالعبودية مِن هذه الأُمَّة، وقيل لي: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين يعبدونَ مع الله غيره من مخلوقاته.
الآية 15، والآية 16: ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول لهؤلاء المشركين: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أن يُنزِلَ بي ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو عذابُ يوم القيامة، ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾: يعني مَن يَصرِف اللهُ عنه ذلك العذاب الشديد ﴿يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾.
الآية 17: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾: يعني وإن يُصِبْكَ اللهُ بشيءٍ يَضرك كالفقر والمرض والحزن: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾: يعني وإن يُصِبْكَ بخيرٍ كالغِنَى والصحة والفرح: فلا رادَّ لِفضله، ولا مانعَ لِعَطائه ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، واعلم أنه قد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا غلام، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أن الأُمَّة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ: لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء: لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 7957).
الآية 18: ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الذي خضعتْ له الرِّقاب وذَلَّتْ له الجَبابرة, ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ الذي يَضع الأشياء في مواضعها، ﴿الْخَبِيرُ﴾ الذي لا يَخفَى عليه شيء، فمَن اتَّصَفَ بهذه الصفات: يَجب ألاَّ يُشرَكَ به.
الآية 19: ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول لهؤلاء المشركين: ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾: يعني: أيُّ شيء أعظم شهادة في إثبات صِدقي فيما أخبرتكم به أني رسول الله؟ ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: أي هو سبحانه العالِمُ بما جئتكم به، وهو العالِمُ بما أنتم قائلونه لي، فشهادته تعالى لي بالنبوة هي ما أعطاه لي من المعجزات الباهرة (كانشقاق القمر وغير ذلك)، وكذلك وَحْيُهُ إليّ بهذا القرآن الذي أنذركم به، والذي لا يستطيع أن يقوله بشر، وأنتم تعلمون ذلك لأنكم أبْلغ البشر، ولهذا قال بعدها: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾: أي مِن أجل أن أنذركم به عذابَ الله أن يَحلَّ بكم، ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: يعني ولأنذر به كل مَن وصل إليه هذا القرآن، قال القرطبي رحمه الله: (مَن بَلغه