تحت مساكنهم، فيَنبُتْ لهم بذلك ما شاء الله من الزروع والثمار، فلم يشكروا نعم اللهَ عليهم، بل أقبلوا على الشهوات وألهَتْهُم المَلَذَّات، فكفروا بنعم الله وكَذَّبوا الرسل ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي فأهلكناهم بسبب ذنونهم، لا ظُلماً مِنَّا، ولكنْ بظُلمهم هم لأنفسهم، ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ﴾: يعني وأنشأنا من بعدهم أممًا أخرى خَلفُوهم في عمارة الأرض، وكان ذلك علينا يسيراً، فاعتبِروا أيها الكفار مما حدث لهم.
الآية 7: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا﴾ من السماء ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾: أي في أوراق ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ليتأكدوا منه، فإذا لمسوه بأصابعهم وتَيَقنوا أنه حق: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ظلما وتكَبُّراً وجُحوداً: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
الآية 8: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ من السماء; ليساعده ويُصَدّقه - أمام الناس - فيما جاء به من النُبُوّة، فرَدَّ اللهُ عليهم بقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾ من السماء إجابةً لِطلبهم: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ بإهلاكهم، إذ ليس مِن شأن اللهِ تعالى أن يُنزل الملائكة، ولو أنزل مَلكاً لأهْلَكَهم في الحال، لأنّ الأمر أصبح يَقينِيَّاً، وليس قضية إيمان بالغيب، وهذا ما لا يريده الله لهم، ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾: يعني ثم لا يُمهَلون - ولو ساعة - ليتوبوا أو يعتذروا.
الآية 9، والآية 10: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾: يعني ولو جعلنا ذلك الرسول المُرسَل إليهم مَلَكًا - إذ لم يقتنعوا بمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾: أي لَجَعلنا ذلك الملك في صورة بشر، حتى يستطيعوا السماع منه ومخاطبته; إذ ليس بإمكانهم رؤية المَلَك على صورته الملائكية، وحينها سيَطلبون أن يكون الرسولُ بشراً، ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾: يعني ولو جاءهم المَلَك بصورة رجل: لاشتبَه الأمر عليهم، كما اشتبه عليهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم، إذ هم مُعاندون للحق، مُتَّبِعون لأهوائهم.
•ولمَّا كان طلبهم إنزال المَلَك على سبيل الاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم: بيَّن الله له أن الاستهزاء بالرسل عليهم السلام ليس أمراً جديداً، بل قد وقع من الكفار السابقين مع أنبيائهم، فقال - مُصَبِّراً له على تكذيبهم، ومُهَدِّداً لهم -: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي فأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به ويُنكرون وقوعه، فاحذروا - أيها المكذبون - أن تستمروا على تكذيبكم، فيُصيبكم ما أصابهم.
الآية 11: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ بعيونكم، واعتبروا بقلوبكم ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ إنه الهلاك والخِزي، وانتقام وإبادة المَلِك الجبار لهم، فاحذروا أن يَحِلَّ بكم مِثل الذي حَلَّ بهم.