•وذلك لأنه إذا وُجِدَت تلك العلامات: صار الأمرُ يَقينيَّاً، ولم يَبق للإيمان فائدة، لأنه أصبح إيماناً اضطرارياً لا اختيارياً، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما، مِمَّن إذا رأى الموت، أقلَعَ عما هو فيه.
﴿قُلِ﴾ لهم أيها الرسول: ﴿انْتَظِرُوا﴾ مَجيء ذلك اليوم، لتعلموا مَن مِنَّا على الحق ومَن على الباطل، فـ ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ذلك اليوم، وعلى يقينٍ بمجيئه.
الآية 159: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: أي جعلوا دينهم مَذاهب تُعادي بعضها بعضاً، وذلك بعد أن كانوا مجتمعين على توحيد الله والعمل بشرعه، ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: أي فأصبحوا فرقاً وأحزاباً، إنك أيها الرسول ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، بل أنت بريءٌ منهم، و ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، ثم يُجازي كُلاًّ بما عمل.
الآية 160: ﴿مَنْ جَاءَ﴾ رَبَّهُ يومَ القيامةِ ﴿بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ مِثقالَ ذَرَّة.
الآية 161: ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول لهؤلاء المشركين: ﴿إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم المُوصِل إلى جنته، وهو دين الإسلام، فهداني ﴿دِينًا قِيَمًا﴾: أي ديناً معتدلاً لا عِوَجَ فيه، قائماً بأمر الدنيا والآخرة، ثم زادَهُ مَدحًا بقوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ مُذَكِّرًا لهم - لِتقليدهم الآباء- بأنه دين أبيهم الأعظم إبراهيم الذي كان ﴿حَنِيفًا﴾: أي مائلاً عن الباطل إلى الحق، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ مع الله غيره.
الآية 162، والآية 163: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ أي وما أذبحه تقرُّباً إلى ربي، ﴿وَمَحْيَايَ﴾: أي وما أفعله في حياتي من طاعات، ﴿وَمَمَاتِي﴾: أي وما أُوصِي به لِيُفعَل بعد وفاتي، كل ذلك أجعله خالصاً ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الذي ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾، ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾: أي وبذلك التوحيد الخالص أمَرَني ربي جَلّ وعَلا، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: يعني وأنا أول مَن أسلَمَ وخضع وانقادَ لأوامر اللهِ تعالى مِن هذه الأمة.
•واعلم أن الله تعالى قد اختص الصلاة والذبح بالذِكر دونَ سائر العبادات، لِشَرَف هاتين العبادتين وفَضلِهما، ودَلالتهما على محبة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان والجوارح، وبالذبح الذي هو بَذْل ما تحبه النفس من المال، لِمَن هو أحَبّ إليها وهو الله تعالى.
الآية 164: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾: يعني أغيرَ الله أطلب رَبّاً وإلهاً أعبده، وهو خالقُ كل شيء ومالِكُه ومُدَبِّرُه؟، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾: يعني واعلموا أنه لا تكسب نفسٌ مِن خيرٍ إلا وهو لها،