قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا، لأنهم لا يُحرمون كُلَّ أنثى مِن الضأن والماعز، ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؟: يعني وقل لهم: هل حَرَّم الله الأجِنّة التي بداخل أرحام الأنثَيَيْن (من الضأن والماعز)؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا، لأنهم لا يُحرمون كُلَّ هذه الأجِنّة، ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾: يعني أخبروني بعلمٍ يدل على صحة ما ذهبتم إليه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تنسبونه إلى ربكم.
•وأما الأربعة أصناف الأخرى فهي: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾: أي صنفين من الإبل (وهم الذكور والإناث)، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾: أي وصنفين من البقر) وهم الذكور والإناث) ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؟: يعني هل حَرَّم اللهُ الذكريْن من الإبل والبقر أم الأنثَيَيْن منهما؟ أم حَرَّم الأجِنّة التي بداخل أرحام الأنثَيَيْن؟ ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾؟: يعني أم كنتم أيها المشركون حاضرين حينَ وَصَّاكم الله بهذا التحريم للأنعام؟ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي فلا أحد أشد ظلمًا مِمّن اختلق على الله الكذب ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي لِيَصرف الناس بجهله عن طريق الهدى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: يعني إن الله لا يوفق للرشد مَن تجاوز حدَّه، فكذب على ربه وأضلَّ الناس.
الآية 145: ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول: ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾: يعني إني لا أجد فيما أوْحَى اللهُ إليَّ شيئًا مُحرَّمًا على مَن يأكل من هذه الأنعام التي حَرّمتموها ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾: يعني إلا أن يكون قد مات بغير ذبح شرعي، (باستثناء مَيْتة السمك ومَيْتة الجَرَاد، فإنه يَحِلّ أكْلُهما، كما ثبت ذلك في السُنَّة)، وقد ثبت في السُنَّة أيضاً - بعد نزول هذه الآية - تحريم الكلاب والحِمار الأهلي (وهو الحمار المُستأنَس الذي يعيش بين الناس ويَحمل أثقالهم)، وكل ما له أنياب من السِباع (كالأسد والذئب)، وكل ذي مخْلَب من الطير (كالصقر والنسر).
﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾: يعني أو أن يكون دمًا سائلاً مُراقًاً فإنه يَحْرُمُ شُرْبه، (أما الدم غير المُراق، كالذي يختلط باللحم، أو الذي يكون في المخ والعروق وما شابَهَ ذلك: فإنه لا شيء فيه)، ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾: يعني أو أن يكون لحم خنزير فإنه نجس، يَحْرُمُ أكله، ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: يعني أو الذي ذُبِحَ - خروجًا عن طاعة الله تعالى - كالمذبوح الذي قد ذُكِرَ عليه - عند ذبْحه - اسمُ غير الله تعالى، فإنه يَحْرُمُ أكله أيضاً، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: أي فمَن ألجأتْه الضرورة إلى الأكل من هذه المُحرمات بسبب الجوع الشديد، بشرط أن يكون غيرَ طالبٍ للمُحَرّم لِلتلذذ به، ولا مُتجاوز - في أكلِهِ - ما يَسُدّ حاجته ويرفع اضطراره: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ﴾ له، ﴿رَحِيمٌ﴾ به، حيث رَخَّصَ له في أكل تلك المُحرمات عند الضرورة حتى لا يموت.