- ثم قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾: يعني أغيرَ اللهِ أطلبُ حَكَمًا بيني وبينكم في أني رسولٌ من عنده، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾: يعني وهو سبحانه الذي أنزل إليكم القرآن مُبَيَّناً واضحاً، فأيُّ شيءٍ يَغلب آيات القرآن في قوة الحُجَّة والبيان، هذا أولاً، وثانياً: ﴿وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: يعني وعلماء بني إسرائيل الذين آتاهم الله التوراة والإنجيل ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ﴾: يعني يعلمون عِلمًا يقينيّاً أن هذا القرآن مُنَزَّلٌ عليك أيها الرسول ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ فهم مُقِرُّون ومعترفون بأنَّ ما يَنفيهِ المشركون هو حَقٌّ لا شك فيه، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: أي فلا تكونَنَّ من الشاكِّين في هذا الحق، بل تفكَّرْ فيهِ وتأمّلْ، حتى تصِل بذلك إلى اليقين، لأن التفكُر فيه- لا مَحالة- دافعٌ للشكّ، مُوصِلٌ لليقين، (وهذا - وإن كانَ خِطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم - فهو مُوَجَّهٌ للأمّةِ عموماً).
الآية 115: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ - وهي القرآن- ﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار والأقوال، ﴿وَعَدْلًا﴾ في الأحكام، فـ ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: أي فلا يستطيع أحد أن يبدِّل كلماته الكاملة، لا بالزيادة ولا بالنقصان، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ونظير قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿السَّمِيعُ﴾ لِمَا يقول عباده، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بظواهر أمورهم وبواطنها، والكل تحت قهره وسلطانه، فلا يتحركون إلا بمشيئته وإرادته، فلِذا لن يكون إلا ما يريدُ سبحانه.
- واعلم أنَّ قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾: أي وقضى ربك أنها ستكون تامة، والمعنى: أي تَمَّ القرآن في كَوْنِهِ مُعجِزًا دالَّاً على صِدق محمد عليه الصلاة والسلام، وأنَّ كلماته كافية في بيان ما يحتاج إليه المُكَلَّفون- عِلمًا وعَملاً - إلى يوم القيامة.
الآية 116: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يعني ولو فُرِضَ أيها الرسول أنك أطعتَ أكثرَ أهل الأرض، فأخذتَ بآرائهم واستجبتَ لاقتراحاتهم: لأضلُّوك عن دين الله، والسبب في ذلك أنَّ أكثرهم لا بصيرةَ له، ولا علم يَهتدي به، وكل ما يقولونه هو هَوَى النفس، ووسوسة الشيطان، و ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: أي وما يسيرون إلا على ما ظنوه حقًّا بتقليدهم لآباءهم، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: يعني وما هم إلا يَكذبون في هذا الظن الناتج عن التخمين، وتقليد الآباء بدون علم أو دليل.
الآية 117: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي هو سبحانه أعلم بالضالين عن سبيل الرشاد ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي بمن كان على الاستقامةِ والسَداد.