•واعلم أنه قد قيل في حشر البهائم يوم القيامة: أنّ حشرها هو موتها، وقيل: إنَّ حشرها هو بَعْثها يوم القيامة حيّة - وإن كان القلم لا يجري عليها في الأحكام - ولكنها تؤاخَذ بما ظلمتْ به بعضها البعض، وهذا هو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال - كما في صحيح مسلم -: "لَتُؤَدَنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقاد - (يعني حتى يُقتَصّ) - للشاة الجَلحاء - (أي التي لا قرْنَ لها) - من الشاة القرناء"، ثم صَحَّ في حديثٍ آخر أنه بعد هذا القِصاص: تصيرُ الشاتين تراباً (انظر السلسلة الصحيحة ج 4/ 606)، وذلك حتى يَتحقق العدل التام يوم القيامة، فلِلَّهِ الحمد والمِنَّة.
الآية 39: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾: أي بحُجَجِنا الواضحة هم ﴿صُمٌّ﴾ فلا يسمعون ما ينفعهم، ﴿وَبُكْمٌ﴾ فلا يتكلمون بالحق، ولذلك فهم حائرونَ ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾: أي في ظلمات الكفر والشرك والمعاصي، وما ينتج عن ذلك من القلق والحيرة، واضطراب النفس، والخوف، والهمّ.
•ثم أخبر تعالى عباده بأنه ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ﴾ إضلاله بِعَدْلِهِ وحِكمته: ﴿يُضْلِلْهُ﴾، ﴿وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته بإحسانه وفضله: ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي يُوفقه إلى الاستمساك بدين الإسلام الواضح الذي لا اعوجاج فيه، والمؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة، (وعلى هذا فمَن أراد الهداية والتثبيت فليطلبهما مِنه سبحانه - بصِدقٍ وتذلُّل - وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فإنه ما مِن قلبٍ إلا وهو بين يديه سبحانه، فإن شاء أقامَه وإن شاء أزاغَه).
الآية 40، والآية 41: ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾: يعني أخبروني إن جاءكم عذاب الله وبلاؤه في الدنيا، ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ التي تُبعَثون فيها والتي فيها عذاب يوم القيامة وشِدَّتُه: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ حينها لِكَشْف ما نزل بكم من البلاء والعذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زَعْمكم أن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله تنفع أو تضر؟!
•ثم يقول الله تعالى لهم: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾: يعني بل - حينها - تدعون ربكم الذي خلقكم لا غيره، وتستغيثون به ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾: أي فيُفرّج عنكم ذلك البلاء العظيم النازل بكم ﴿إِنْ شَاءَ﴾ سبحانه ذلك، لأنه وحده القادر على كل شيء، وحينئذٍ: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾: أي وعندها تنسون شركائكم فلا تدعونهم، لِيَأسكم من إجابتهم لكم، وذلك لِضعفهم وحقارتهم.