وأما النوع الثاني: وهو الكره والمحبة الشرعية، وهي التي يجب أن يعمل الإنسان بها، والمحبة الشرعية محلها القلب، وكذلك قول اللسان، وأما بالنسبة للكره الطبعي فهو في نفس الإنسان، إذا اعترضت الكره الطبعي مع الكره الشرعي حرم على الإنسان أن يظهر كرهه الطبعي للناس، وما وجد في ذات الإنسان فهذا لا يأثم عليه، ولكن من جهة الاعتقاد يجب عليه أن يسلم، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا [النساء:65]، وهذا الحرج هو الضيق مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، والمراد بالتسليم هو الانقياد والمتابعة مما يظهر في قول الإنسان وجوارحه، وأما ما يوجد في ذات الإنسان من هذه النفرة والكره ونحو ذلك كحال الإنسان إذا أراد مثلاً أن يتوضأ في زمن بارد وهو إسباغ الوضوء على المكاره، أو ما يستثقله الإنسان من الوضوء ثلاثاً يريد أن يتوضأ مرة واحدة؛ لأن النفس تحب العجلة، فإذا توضأ ثلاثاً فيجد الإنسان في ذلك ربما كرهاً طبعياً للتراخي في مثل ذلك مثلاً في الشتاء، فنقول في مثل هذا: إن الإنسان لا يأثم على ذلك، وذلك مثلاً كحال المرأة تكره أن يعدد عليها زوجها، وهذا الكره كره طبعي، ولا تأثم عليه ما لم يكن ثمة معارضة للتشريع، فتقول: أكره أن تعدد عليّ لكن الرجال فليعددوا ما شاءوا، ولكن أنت أكره هذا الأمر، فهذا كره طبعي، ولكن إذا قالت: إني أكره هذا التشريع كله، فهذا مناقض للإسلام؛ لأن الكره نزل على التشريع، والدليل على أنه طبعي أن المرأة في مسألة تعدد زوجها تجد في نفسها وقعاً أكثر من أن تجد بتعدد الأجنبي على زوجته، مما يدل على أن الأمر ليس على التشريع، وإنما هو لحظ النفس.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٥٨١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٥٨١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي