الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى منع الأمم السابقة من أخذ الغنائم لحكمة، وهي: ليدفع الله عز وجل عنهم هجوم حظ النفس على القتال، وذلك أنه ربما النفوس تتدثر بإيثار الحق وهي تريد المغنم، فتقع في شيء من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى لأجل الدنيا، فجعل الله سبحانه وتعالى ذلك محرماً عليهم، وإن كان من جملة البلاء ممن يكثر معه أمر الدنيا، ولكن جعل الله عز وجل ذلك صلاحاً لأمر دنياهم، ولما كانت أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم خير الأمم، ونبيها خير الأنبياء جعل الله عز وجل ذلك رخصة لهم؛ لأن حظ النفس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أبعد من غيرها، فجمع الله عز وجل لهذه الأمة فضل المنزلة والمكانة، وكذلك قوة الإيمان، وأن حظوظ النفس في هذه الأمة أبعد من غيرها من الأمم، فجعل الله عز وجل الغنائم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم مباحاً، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث جابر قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي قال عليه الصلاة والسلام: وأحلت لي الغنائم)، فجعل الله عز وجل الغنائم حلالاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بخلاف الأمم السابقة. وهنا في قوله جل وعلا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ [البقرة:216]، أي: أراد بعد ما كان مأذوناً فيه لقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] أن يكون هنا فرضاً، فقال الله جل وعلا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [البقرة:216] أي: جعله الله عز وجل فرضاً، وبين هاتين الآيتين، وهي آية الإذن وآية الكتب هو قول الله جل وعلا: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]، فهذا إذن من الله سبحانه وتعالى تلاه أمر بمقاتلة من قاتل المسلمين، ثم جعل الله عز وجل القتال فرضاً على أمة الإسلام.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٥٧٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٥٧٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي