والله سبحانه وتعالى إنما شرع لعباده الذكر في مثل هذه المواضع يريد أن يدفع ما بقي من أمر الجاهلية من المبالغة في ذكر الآباء حتى يصل بعضهم إلى سب بعض، حينما يتفاخر بعضهم بأن أباه معروف بالقوة والجلادة، وأنه صاحب سيف، ويضرب الرقاب، وانتصر على قبيلة فلان، وقبيلة فلان لها من يشهد أمثال هذه المواقف، وهذا يزيد من الضغينة والحقد بين الناس، فجاءت الشريعة بمثل هذا حتى يكون كلام الله سبحانه وتعالى فوق ذكر الآباء وعالياً عليها، ومغلقاً أيضاً لتلك الأمور التي تتعلق بها النفوس. ثم أيضاً يؤخذ من ذلك حكمة أن ما شاع عند الناس من الأمور المباحة التي أصلها الإباحة، ولكنهم غلوا فيها، ليس من الحكمة أن ينهى عنها جميعاً، فإن الانتقال عنها من الأمور الشاقة، ولكن يبدأ بالموازنة، وذلك أنه يقال: إن المبالغة في ذلك لا تجوز، وينبغي أن يرجع الأمر إلى حقيقته، وحقيقته كذا وكذا، ثم إن الله سبحانه وتعالى هنا في قوله جل وعلا: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200]، أمر بذكر الآباء كذكر الله على سبيل التساوي، أو أشد ذكراً هذا يتضمن معنى أن أهل الجاهلية بلغوا من الغلو بذكر آبائهم حداً ما لو أمروا أن يذكروا غيرهم كذكرهم آبائهم يشق عليهم أن يستوعبوا بمعنى: إذا كانوا يذكرون آباءهم ليلاً ونهاراً فإذا قيل لهم: اذكروا الله عز وجل كذكركم آباءكم، فإنهم لا يجدون وقتاً لذكر الله سبحانه وتعالى، وهذا يتضمن إشارة إلى غلوهم في هذا الباب.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٥٣٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٥٣٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي