ولهذا العلماء وأهل العقل بحثهم في المتفاضلات، وأهل الشر بحثهم في دركات الشر؛ لأنهم ينظرون في التفاضل فيها، وكلما كان بحث الإنسان في المتفاضلات كان من أهل العقل والرجاحة، وإذا كان بحث الإنسان في أن يقول: شر أهون من شر فإنه يدفع بذلك شراً ويقع في شرٍ، وإذا أوغل في ذلك وقع في شرٍ محض، وليس له مرجح، ولهذا إشغال الناس بالمتفاضلات من أمور الخير يصرفهم عن مقارنة أمر الطاعة مع أمر الشر، فللخير درجات وللشر دركات، وهذا من أعظم وجوه السياسة الشرعية، وهو أن الإنسان يضبط درجات الخير فيما بينها، ومقياسه في ذلك في الشريعة، ثم ينظر في دركات الشر فيما بينها أيها أعظم؟ فإذا وجد شراً دون شرٍ فيستطيع أن يميز ويقدم هذا على هذا، ثم يفرقه في داخل الشر بين شر لازم وشر عارض، وشر فرد وشر جماعة، وشر الفرد الأعظم أهون من شر جماعة دائم ولو كان صغيراً، ثم ينظر أيضاً في تزاحم الأمرين بين درجة خير ودركة شر إذا اجتمعا، أين مرتبة هذا الخير من هذا الشر، فهل له أن يحقق خيراً عظيماً بالتماس شرٍ قليل معه ينظر في أمور المتراتبات، ثم ينظر إذا كان في دركة الشر تلك السيئة في آخره، ويرى أن مرتبة الخير هي في آخره، فلا يمكن أن يجعل تحقيق الخير في شرٍ عظيم، ولهذا المسألة عكسية في أمر الخير، كلما كان أمر الخير في أعلاه، وأمر الشر في أدناه جاز للإنسان أن يتحقق، وأعظم الأمور المشكلة هي مسألة الوسط أن الإنسان يريد أن يحقق الخير في حق متوسطٍ مع شرٍ متوسط، أو حق عظيم مع شر عظيم، أو حقٍ ضئيل مع شر ضئيل، وهذه هي من مواضع التي يلتمس فيها جوانب أخرى، وهي جوانب الدوام، أو العموم، ومعنى الدوام في ذلك هل يدوم المنكر أو لا يدوم؟ يعني: هل الخير في ذلك مستديم والشر عارض؟ قد يرتكب الإنسان شراً عارضاً لخير مستديم دونه؛ لأن الشر عارضٍ ثم يزول، وليس للإنسان أن يحقق مصلحة عارضة بارتكاب شرٍ دونه مرتبة، وهذا الشر يدوم، وذلك الخير عارض.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٤٩٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٤٩٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي