لهذا نقول: إن طالب العلم إذا أراد أن يلتمس مواضع الإجماع، وأن يكون أيضاً متبصراً بمواضع الخلاف الذي يصار إليه، والخلاف الشاذ، أن يكون من أهل التبصر بمواضع الإجماع على الترتيب، فمع تبصره بالنص يتبصر أيضاً بأقوال الصحابة إجماعاً، وكذلك التابعين وأتباع التابعين، ثم ينظر في ذلك مواضع الخلاف، فيعرف المواضع الشاذة من غيرها، وثمة إجماعات للصحابة عليهم رضوان الله في مسائل لم يحك فيها إجماع، فنشأ خلاف بعدها عن غير علم بها، وهذا يوجد في بعض المسائل، وذلك كإجماعهم على استحباب الترديد خلف المؤذن، وكذلك الصلاة في المقابر على الجنازة، فهذا موضع إجماع عندهم، والخلاف إنما طرأ بعد ذلك، ثم تشعب وأصبح المتأخرون يحكون الخلاف، ويقولون: في المسألة قولان: وإنما فيها قول واحد لهم، وأما ما يحكيه الفقهاء مثلاً في مسألة الترديد خلف المؤذن وأنه على الوجوب أو على الاستحباب فهذا قول حادث. كذلك أيضاً في مسألة النهي عن الصلاة في المقابر هذا من الأقوال الحادثة، ومن سبر أحواله يجد أن المسألة من مسائل الإجماع. وإذا نظر الإنسان في أقوال الصحابة، ثم في أقوال التابعين، ثم في أقوال من جاء بعدهم على سبيل التدرج، فإن ذلك يعطيه هيبة لأقوال من سبق، ويضعف أقوال من تأخر عنده، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الهيبة والخيرية في القرون الأولى، كما قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث عمران، قال: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم).
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٤٨٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٤٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي