تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالضرورة تتعلق بالأفراد غالباً, لا تتعلق بالجماعات, وإذا كانت تتعلق بالأفراد فمردها إلى حال الفرد, ولهذا الضرورة لا تكون تشريعاً ولا قاعدة, وإنما هي استثناء، والاستثناء يتعلق بأحوال وأفراد معدودين, ومع ذلك لكمال البيان والتوضيح بين الله سبحانه وتعالى أن هذا الاضطرار ينبغي أن ينتفي معه البغي والعدوان, يعني: ألا يصاحب أكل الإنسان من هذه المحرمات رغبة, فيكون قاصداً لأكل الشيء, أو مصطنعاً للضرورة, وألا يكون أيضاً معتدياً زائداً عن الحد الذي أذن الشارع فيه, فإذا كان الإنسان مثلاً في فلاة وخشي على نفسه الهلاك ولم يجد إلا ميتة جاز له أن يأكل بلا إسراف, وجاز له أن يتناول الدم بلا إسراف, وهل للإنسان أن يأكل غيره من الناس إذا جاع أم لاالجواب: ما يجوز. لكن قد يقول قائل: أنا أريد آكل يده فتبقى روحه. نقول: لا يجوز. وهل يجوز لاثنين أن يتبادلوا الأيدي بالأكل؟ هذه من المسائل التي يتكلم عليها الفقهاء, وبعضهم يقول: يجوز أن يأكل اليد, ولكن أيها أولى يده أو يد غيره؟ يقدم يده على غيره؛ لأن بقاء الروح أولى. وفي قول الله سبحانه وتعالى: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:173] , أي: بين الله سبحانه وتعالى أنه ربما يلتبس في حال الضرورات شيء مما يقع في نفس الإنسان أنه وقع في محرم, فأكد الله عز وجل على الجواز وأن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم, يغفر للإنسان ذلك فلا ينبغي أن يوجد إثم, ولهذا نفى الله عز وجل الإثم وزاد في ذلك أن الله عز وجل لو وجد في النفس شيئاً في حال توقف الوصف بالضرورة أن الله غفور رحيم. ولهذا نقول: قد يشتبه الإنسان في حال المحرم هل هو حرام أم لا, أم زاد على حاجته أم لا, فنقول في ذلك: إن الله غفور رحيم, وعليه أن يستغفر، وهو أقرب إلى التوبة من غيره ممن تمحض عدواناً. وهذا الاستثناء كما تقدمت الإشارة إليه من الاستثناء من الأصل العام دليل على تأكيده على ما تقدم.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير آيات الأحكامص ٢٣٢