عداوة بينة, لوجود شيء من الحق الذي يتنازعان فيه, وقد يكون الحق لدى هذا ظاهراً, وقد يكون الحق لدى هذا باطناً, وقد يكون ثمة شبهة في ذلك، ولهذا العداوة لا تكون بينة, أما الشراكة بين الشيطان وبين بني آدم فهي منفكة في أمر الدنيا, ولهذا عداوته كانت ظاهرة, ولهذا كان أكثر البيان في القرآن في عداوة الشيطان هي في بيان خططه ومكره وتدليسه وتلبيسه أكثر من بيان ذاته, فذاته معلومة, ولكن الله عز وجل يبين الحيل التي يحتال بها الشيطان؛ ليصل إلى إضلال الإنسان وإغوائه حتى يتسلل إلى المحرمات بتسويله للإنسان أن هذا حظ لك, كما سوَّل لآدم و حواء في الجنة حينما منع الله عز وجل آدم و حواء من الأكل من الشجرة قال: ما منعكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين, يعني: الملك هو أعظم ما يسعى إليه الإنسان, وهو دوام البقاء, وتمام التصرف في المملوك, وألا يشاركه ولا ينازعه في ذلك أحد. الأمر الثاني: السلامة من الأسقام والأمراض وهو الخلود فيها, لأن الإنسان يطرأ عليه عارض خاصة في عجلة الزمن أنه ربما يموت ويهلك ونحو ذلك, فإذا تحقق له تمام الملك وتمام الخلود تشبث بذلك وتسلل عليه الشيطان, ولهذا نقول: إن أعظم ما يدخل الشيطان على الإنسان هو من هذين الجانبين: تمام الملك, والخلود, سواء كان كلياً أو كان جزئياً, والخلود: هو طول البقاء, ولهذا يتنازع الناس لأجل الخلود في الأرض, لأجل الدولة تبقى أكثر من الدولة الأخرى, فلان يبقى أكثر من فلان بقاء وعمراً, ولهذا يتسابقان في القتل, ففلان يقتل فلاناً؛ حتى لا يعتدي عليه, وكذلك أيضاً في الملك, يعتدي على غيره حتى لا ينتزع منه ملكه, ويتخاصمون في المال حتى لا يأخذ من ملكه شيئاً, وهكذا. ولهذا أصل نزاع البشرية هو على هذين الأمرين, هو في أمر الملك وفي طول البقاء, وهذه هي فرع عن أصل عداوة الشيطان لآدم و حواء في الجنة.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٢٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٢٢٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي