وقد نص على التفريق بين ما له قيمة وما لا قيمة له جماعة من العلماء كالإمام الشافعي رحمه الله والإمام أحمد وغيرهم، قالوا: يفرق بين ما له قيمة وبين ما لا قيمة له، وأن ما له قيمة يجب فيه التعاقد، وأن مجرد المعاطاة لا تكفي لإثبات التراضي. وجمهور العلماء يرون أن المعاطاة كالتعاقد إذا لم يظهر في ذلك خلافه، يعني: إذا لم يحتج أحد المتبايعين على الآخر بعدم الرضا، ولم يكن في السلعة عيب، فإن المعاطاة كالتعاقد, وهذا هو الأظهر؛ وذلك أن الله سبحانه وتعالى حينما ذكر التراضي في هذه الآية، قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، فالرضا في ذلك لا يشترط أن يكون عن تعاقد، فإن التعاطي بالتقابض ربما يكون أعظم أثراً من التعاقد، وذلك أن الإنسان إذا خلى السلعة إلى صاحبها المشتري فإن ذلك ربما يكون أعظم من التعاقد، فإذا أخرجها من حرزه أو أخرجها من بستانه أو أخرجها من داره، فإنه كاف في ذلك ولو لم يتلفظ. وجمهور العلماء على أن المعاطاة كالتعاقد وأنها ماضية، وأنها دليل على التراضي، وأن النص في الآية على التراضي في مسائل البيوع لا يخرج المعاطاة من حكم التراضي. وبهذا القول ذهب جماعة من العلماء، وهو قول الإمام مالك، وقول أبي حنيفة ورواية مشهورة عن الإمام أحمد رحمه الله، على أن بيع المعاطاة صحيح، سواء كان ذلك في الأموال التي لها قيمة كالعقارات، أو ما لا قيمة له، وذلك كملء الكف من التمر أو الماء أو غير ذلك، فإن الحكم في ذلك سواء، فإن المعاطاة تمضي البيع ولا تنافي التراضي. ومن قال بوجوب أن يكون ذلك تعاقداً سواء كان ملفوظاً أو مكتوباً قال: إن الشريعة فرقت بين السوم والبيع، والسوم ربما يكون في صورة بيع، كأن يقول الإنسان: تبيعني سلعة كذا وكذا بكذا وكذا كأنه يستخبره، وهذا لا يسمى تعاقداً.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٥٤٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ١٥٤٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي