مدلول كلمة (تأكلوا)
قال: لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29]، قيد هنا الأكل بالباطل، يعني: بالإثم والعدوان، وذكر هنا (لا تأكلوا)، استعمال لفظ الأكل شامل لكل متلف ومستهلك، ولا يعني من الأكل يعني المضغ مما يأكله الإنسان في جوفه، فإن أخذ الأموال من الدنانير والدراهم وكذلك استهلاك الثياب وغير ذلك فإنه يقال: أكلها فلان، أكل فلان مال فلان ولو كان عقاراً، أو كانت ثياباً أو كانت دنانير من الذهب والفضة. وإنما أشير إلى الأكل؛ لأنه أعظم وأدوم وجوه الاستمتاع، وما عداها فهو استمتاع عارض، فإنه لا حياة للإنسان إلا بالأكل، وأما ما عداها من المطامع والشهوات فإنها عارضة يدركها الإنسان حيناً ولا يدركها في حين آخر، وذلك كشهوة الفرج وشهوة الملبس ونحو ذلك، وأما بالنسبة للمأكل فإنها باقية مع الإنسان سواء كان صغيراً أو كبيراً، وسواء كان عاقلاً أو مجنوناً، يستلذ الطعام ويستلذ الشراب ولا بقاء له إلا بذلك، فاستعمل لفظ الأكل على كل ما يستهلك؛ لأنه في حاله يستحيل إلى مطعوم في غالبه. وإنما استعمل هذا اللفظ للتغليب، ويدخل في ذلك ما عداه، وذلك من المركوبات والعقار والبيوت والدور والبساتين والمزارع، وإن استظل بها ولم تؤكل وغير ذلك فهي داخلة في هذا المعنى.