تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك فإن الربا يدخله التقنين والانتشار ويشيع, وهو من المظالم العامة التي تدخل في أمور الناس، بخلاف مال اليتيم فإن الأيتام في الناس قليل وأحوالهم قليلة، ومن يلي اليتيم أو يكون وصياً له فيكون من قرابته غالباً فيحتاطون في ذلك, ويترفعون عن أكل مال اليتيم، ولهذا شدد في مال الربا لأنه أسرع انتشاراً وتقنيناً فعظم ذلك الجرم. وقرينة ذلك أيضاً: أن الله سبحانه وتعالى حرم أكل مال اليتيم قبل أكل الربا، ومن القرائن في الشريعة أن أعظم المحرمات أقدمها، ولهذا أول محرم حرمه الله عز وجل الشرك، وأول أمر أمر الله عز وجل به هو التوحيد، ثم تليه بقية الشرائع، وقد يؤخر الله عز وجل أمراً ويؤخر نهياً لعلة من العلل، وهذه العلة إما أن يكون الأمر لتمكن هذا الشر في الناس وشيوعه وذيوعه فيهم حتى لا ينفروا من الحق، ويؤجل أمره، وهذا كما في الربا، ولهذا عمر بن الخطاب يقول كما في الصحيح قال: إن آخر ما أنزل الله عز وجل على نبيه آية الربا فدعوا الربا والريبة، وقال: ومات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين، فهل تأخير الربا دليل على عدم تعظيمه؟ لا، وإنما أخر الله عز وجل الربا؛ لأن الربا من المعاملات ومنتشر بين الناس في أسواقهم، فتحريم ذلك قبل توطين الإيمان في قلوبهم وترويضهم على طاعة الله عز وجل بأوامر أخرى، فإن ذلك ربما ينفر خاصة ضعيف الإيمان أو من في قلبه نفاق، فكانت الحكمة في تأخير ذلك، ولم يترك جانب الربا فأخر, وإنما جعل الله عز وجل ثمة محرمات قبله توطن له من النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، ونهي الله عز وجل عن الغش، والنهي عن الرشوة باعتبار أنها أنواع أيسر, أو أضعف انتشاراً من الربا تمهيداً له.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٣٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير آيات الأحكامص ١٣٦٨