ولا يختلف العلماء من أهل السنة على أن من أخذ مالاً محرماً ولو ربع درهم أو درهماً واحداً على أنه مستحق لوصف الفسق, خلافاً للمعتزلة فإنهم يقدرون أكل الحرام, منهم من يقول: إن الدرهم الحرام لا يوجب وصف الإنسان بالفسق حتى يصل إلى أربعة, ومنهم من قال: إلى عشرة, ومنهم من قال: إلى أكثر من ذلك, وهذا تعليق بتعليل لا دليل عليه. والفسق يتحقق في أدنى الحرام إذا كان في حقوق الآدميين، لأن حق الآدمي في الأموال والأعراض والدماء من الكبائر ولو كان حقيراً من جهة النظر؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، وحق الله عز وجل مبني على المساحة, فقد يغفر الله عز وجل للزاني وشارب الخمر والمفرط في الصلاة وغير ذلك, ولا يغفر الله عز وجل لمن أخذ درهماً أو ديناراً من حق غيره, فلا بد في ذلك من الوفاء يوم القيامة, وهذا مما لا خلاف فيه عند العلماء. وهنا في قول الله عز وجل: تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] هل في ذلك تقييد للتحريم بالتضعيف أن يكون من جنس المباع أو من جنس المال المقرض؟ نقول: ليس في ذلك دليل, وإنما هي حكاية حال, فلو أعطى الإنسان أحداً قرضاً أو باعه سلعة, فطلب الزيادة من غير جنس المباع أو من غير جنس المقرض, يعني: من المال, فلو أقرضه مائة دينار أو باعه أرضاً ثم أراد من ذلك وفاء بقيمة كذا, فلما حل الأجل ولم يكن لديه وفاء وسداد، فقال: أنظرك سنة على أن تزيدني على الوفاء شاة أو سيارة أو ثماراً أو غير ذلك من غير جنس الدين أو من غير جنس البيع, فيقال حينئذٍ: هذا محرم، ولا خلاف عند العلماء في ذلك.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٢٨٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ١٢٨٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي