إذن: مسألة المثلية هنا عقبةٌ تحدُّ من ثورة الغضب، وتفتح باباً للارتقاءات الإيمانية، فإنْ كان الحق سبحانه سمح لك أن تُنفِّس عن نفسك فقال: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا. .﴾ [الشورى: 40] فإنه يقول لك: لا تنسَ العفو والتسامح ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين﴾ [آل عمران: 134] .
لذلك، فالآية التي معنا تلفتنا لَفْتةً إيمانية: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ. .﴾ [الحج: 60] واحدة بواحدة ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ. .﴾ [الحج: 60] يعني: زاده بعد أنْ ردَّ العدوان بمثله وظلمه واعتدى عليه ﴿لَيَنصُرَنَّهُ الله. .﴾ [الحج: 60] ينصره على المعتدي الذي لم يرتَض حكم الله في رَدِّ العقوبة بمثلها.
وتلحظ في قوله تعالى مخايل النصر بقوله ﴿إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: 60] مع أن الصفة التي تناسب النُّصْرة تحتاج قوة وتحتاج عزة، لكنه سبحانه اختار صفة العفو والمغفرة ليلفت نظر مَنْ أراد أنْ يعاقب إلى هذه الارتقاءات الإيمانية: اغفر وارحم واعْفُ؛ لأن ربك عفو غفور، فاختار الصفة التي تُحنِّن قلب المؤمن على أخيه المؤمن.
ثم أليس لك ذنب مع الله؟ ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ. .﴾ [النور: 22] فما دُمْت تحب أن يغفر الله لك فاغفر لعباده، وحين تغفر لمَنْ يستحق العقوبة تأتي النتيجة كما قال ربك عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34] .
فالحق سبحانه يريد أن يشيع بيننا الصفاء النفسي والتلاحم الإيماني، فأعطاك حقَّ رَدِّ العقوبة بمثلها لتنفِّس عن نفسك الغيظ، ثم دعاك إلى العفو والمغفرة.