تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بمعنى تَرَكْتُمْ، وهو كذلك؛ فإن (ما) مصدريَّة؛ أي: بنسيان، والنِّسيانُ هنا بمعنى التَّرْكِ، وليس النَّسيانُ الذي هو ذهولُ القَلْبِ عن مَعْلومٍ؛ لأنَّ النِّسْيانَ المَعْروفَ هو ذُهُولُ القلب عن معلومٍ، وهذا لا يُعاقَبُ عليه الإنسانُ، ويُطْلَقُ النِّسْيانُ على التَّرْك، وهو الذي يعاقَبُ عليه، والدَّليلُ على إطلاق النِّسْيانِ على التَّرْك قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].

وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ بمعنى تَرَكْناكُم، وليس معناها ذهولَ القَلْبِ عن معلومٍ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] النِّسْيانُ المُثْبَتُ لله هو التَّرْكُ، والنِّسْيانُ المنفِيُّ عنه هو الذُّهولُ عن الشَّيْء، وأمَّا الإنسانُ فإنَّه يَثْبُتُ له.

وقوله تعالى: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ تركتم اللِّقاءَ، والمراد تَرَكْتُمُ العَمَلَ له والإيمانَ به.

وقوله رحمه الله: [﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم في العَذابِ] نسألُ الله العافِيَةَ! تركهم الله عز وجل وما نَسِيَهم، فلا يزال يَعْلَمُ بهم جَلَّ وَعَلَا، ولكنَّه تَرَكَهُم، وقال لهم بعد المراجعاتِ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فهل يتكلَّمونَ بعد ذلك بِرَفْع العذابِ؟

أبدًا لأنَّ في الآخِرَة لا يَقْدِرُونَ أن يُخالِفوا؛ لأنه لما قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ انقطع رجاؤُهُم من كل رجاء - والعياذ بالله - وأَيِسُوا من كلِّ خير.

وقوله رحمه الله: [﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ﴾ تركناكُمْ في العذابِ ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ الدَّائِمَ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكُفْرِ والتَّكْذيبِ] هذا إقرارٌ للتَّأْكيدِ وبيانِ أنَّ ما ذاقوه لا يُمْكِنُ أن يزولَ عنهم مع أنَّهُم قالوا فيما سبق:

تفسير العثيمين: السجدة · الصفحة ٧٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير العثيمين: السجدةص ٧٥