تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أعجب الأمور أن العقوبة قد لا تظهر فى الفاعل وإنما فى ولده، لحكمة ربانية، فقد حدثنى أحمد جمال الحريرى رحمه الله، المطوف بمكة، قال : يا بنى: كلنا قد استهجن سحل جثة الأمير عبد الاله صبيحة ثورة 14تموز ببغداد، ولكن هل تظن أن ذلك جاء من غير مقدمة؟ قال : لقد رأيت أباه علياً صبيحة التاسع من شعبان بمكة يوم أعلنت الثورة العربية التى قادها لورنس يصعد إلى قلعة مكة التى ما زالت شاخصة حتى الآن، فأعطى الحامية العثمانية أماناً إذا سلمت بغير قتال، فسلموا ونزلوا بذاك الأمان وكرهوا القتال بمكة، فأطلق سراح الجنود، وكانوا أربعمائة، ووضع الحبال فى أرجل ستة عشر ضابطاً وسحلهم أتباعه وهم أحياء، والغوغاء تركض وراءهم، فماتوا بعد بضع مئات أمتار، واستمروا يسحلونهم حتى بلغوا البطحاء التى بين مكة ومنى، وما أظن الذى حدث لعبد الآله إلا عقوبة مثلية لتلك السيئة !! وبقابل هذا : هل رأيت أحداً سار على سنن العدل ثم ساءت أموره؟ لم تر ذلك فى فرد أو حكومة.

وانظر الظالم : سوء الذكر يلحقه حتى بعد مماته، وأولاد المرابى أول لاعنيه .

وكم من رهط مؤمن عجز عن دفع ظلم يقع عليه، فينجيه الله ويبطش بالظالم، تصديقاً لميزان: (( إن الله يدافع عن الذين آمنوا)) .

وهلاك الأمم حين يشيع المنكر وتنتشر المعاصى يشاهده المرء فى المدن الخربة، ومدينة بومبى الفاسقة بجنوب إيطاليا محفوظة من يوم أهلكها بركان فيزوف قبل ألفى سنة، وقد تجولت بها ورأيت دنان الخمر وصور النساء العرايا كأنها رسمت أمس ! .

وهل ما حدث بالكويت من هزة اقتصادية بسبب سوق المناخ بعيد عن معنى عقوبة بلدة شاع بين أهلها الربا ورضى معظمهم بيع الغرر التحايلى الذى كان بالمناخ؟

إن معيشتنا فى أجواء الاعلام الرأسمالى المادى والتربية العلمانية بدأت تنسينا هذه المعانى الإيمانية الأساسية مع الأسف، وهى من الحق الذى لا مراء فيه وإن أنكرها الذين لا يفهمون .

صناعة الحياة · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

صناعة الحياةص ١٧