وكذلك ما تقدم الإشارة إليه من أن تعظيم الأعمال يرجع فيه إلى أمرين: يرجع فيه إلى تقدير الشارع لذلك الفعل، وإلى تعظيم ذلك في نفس الإنسان، والشارع يعظم منهيات من وجه: كتعظيمه النهي عند طلوع الشمس وعند غروبها فهو أعظم من النهي بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، ولكنها لما كانت موسعة فتكون عند المتعبد المقبل أشد حرجاً، وامتثاله أعظم أجراً عند الله سبحانه وتعالى، وهذا له صور متنوعة. وأما الواجب من جهة الاصطلاح: فهو ما يثاب الإنسان على فعله، ويعاقب على تركه، وأما بالنسبة للمكروه: فهو ما يثاب الإنسان على تركه امتثالاً، ولا يعاقب على فعله، ويقابله في ذلك المندوب وهو المستحب، ويأتي الكلام عليه، والواجب أمر الله سبحانه وتعالى به لمصلحة العبد بذاته؛ لهذا جعله الله عز وجل على قدر المستطاع، فقال سبحانه وتعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).هذا هو الأصل في الأحكام الشرعية، إثابة الفاعل وإثم التارك في الواجب، لكن قد تأتي صورة استثنائية إذا فعل الإنسان فيها الواجب أثم، وإذا تركه أجر، وهذا يكون حال ورود مفسدة على الإنسان أو وجود هلكة فيه، كإنسان مثلاً أوجب الله عليه القيام في الصلاة وقد نصحه الأطباء وبينوا له أنك إذا قمت في الصلاة ستصاب بالأذى أو بالموت أو نحو ذلك، أو من عمل عملية في عينه أو نحو ذلك، وقال له الطبيب: إن سجدت ستسقط عينك فنقول في مثل هذا: إن فعلك للواجب هنا إثم، وتركك له احتساباً أجر، وهذا له صور متنوعة؛ وإنما عطلنا هذا الدليل في هذا الموضع لدليل أولى وأعظم من ذلك، ويأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى.
سلسلة أصول الفقه · الصفحة ٥٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
سلسلة أصول الفقهص ٥٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي