فالصلاة المفروضة أفضل من جميع السنن من جنسها؛ لهذا نقول: ما أوجبه الله من الصلوات الخمس أعظم من السنن الرواتب، وما كان متأكداً أعظم مما كان مطلقاً، فالسنن التي شرعها الله عز وجل تحديداً كالسنن الرواتب: وهي سنة الفجر، وسنة الظهر، وسنة المغرب، وسنة العشاء، كذلك صلاة الوتر أفضل من المطلقة، فكل ما قيِّد العمل به بنوع من أنواع التقييد في ذاته أو في وصفه بزمن معين فإنه آكد من غيره؛ لأن الكلفة زادت إما من جهة الوصف، وإما من جهة الزمن، أو من جهة العدد، فنقول: إن هذا دليل على مقدار إيمانه؛ لأن الإنسان بطبعه يريد الاختيار، فإذا جاء ذلك على خلاف طبعه دل على أن امتثاله أمارة على قوة إيمانه، وهذا كما أنه في المأمورات كذلك أيضاً في المنهيات. فالله ينهى عن أشياء، فإذا كانت هذه المنهيات موسعة دل ذلك على تعظيمها عند الإنسان وتعظيمها عند الله، فالإنسان حينما يُنهى عن شيء على سبيل الدوام فإن هذا أعظم عليه من جهة الحرج؛ لهذا تجد إطلاق البصر محرم في كل حين ولا يرخص في حين دون حين، هذا هو الأصل فيه، بخلاف ما يتعلق بالحاجات والضرورات فهذا أمر آخر، كذلك ما يتعلق بحال الإنسان بالسرقة والزنا وشرب الخمر، فكلما تلبس الإنسان به وكان قريباً منه فإن الأجر في ذلك أعظم عند الله والثواب فيه أعظم؛ لأن الإنسان يتلبس به، وهذا ينافي اختياره، بخلاف المنهي على سبيل التعيين، كالنهي عن الصلاة مثلاً عند طلوع الشمس وعند غروبها، وهذا يخالف مسألة النهي فيما هو أوسع من ذلك؛ لهذا نقول: إن النهي من صلاة العصر إلى صلاة المغرب أطول من النهي عند طلوع الشمس، فمن أقبلت نفسه على الصلاة، وكان من أهل الصلاة، فإن امتثاله للنهي عن الصلاة بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس آكد وأعظم في نفسه وأعظم أجراً عند الله.
سلسلة أصول الفقه · الصفحة ٥٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
سلسلة أصول الفقهص ٥٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي