ثانياً: كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان هذا معروفاً بالسنة، (1) وقد نسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (2)، ولا يمكن أن يقال: إن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوماً بالقرآن وهو قوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ (3). لانه تخيير بين القدس وغيره من الجهات والمنسوخ إنما هو وجوب التوجه إليه علينا وذلك غير معلوم من القرآن الكريم. (4)
ثالثاً: لقد أخَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم الخندق حتى مضى هوى (5) من الليل ثم صلى، فنسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ (6)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ (7) إلى آخر آيات الخوف (8).
رابعاً: ومن ذلك ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على عبد الله بن أبي بن سلول المنافق (9).
ثم نزل قول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (10) ونظائر ذلك كثير. (11)
(1) رواه البخاري عن البراء بن العازب - رضي الله عنه - مرفوعاً، كتاب الصلاة، رقم (399).
(2) البقرة: من الآية144.
(3) سورة البقرة: من الآية 115.
(4) الإحكام للآمدي 3/ 150، التمهيد: 2/ 386، إحكام الفصول: ص357.
(5) هوى: من الهوي وهو ساعة من الليل؛ القاموس المحيط: 4/ 407.
(6) سورة البقرة 239، وينظر تفسير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 2/ 572، تأليف أبي جعفر بن جليل الطبري (ت 310هـ)، دار الفكر، 1988.
(7) سورة النساء: 102، وينظر تفسير الطبري: 5/ 250.
(8) التمهيد لأبي الخطاب: 2/ 385، والحديث رواه النسائي، باب الأذان: 2/ 17، الدارمي: 1/ 358.
(9) وقصة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنافق ابن أبي أخرجها البخاري في كتاب التفسير، فتح الباري: 8/ 430 وما بعدها، والترمذي في كتاب التفسير: 5/ 260.
(10) التوبة: 84.
(11) العدة: 2/ 32، التمهيد: 2/ 386.