وفرض الأعيان، والفرق بينهما بأن فرض الكفاية ما لا تتكرر مصلحته بتكرره كإنقاذ الغريق فتكرير فعل النزول بعد شيل الغريق لا يحصل مصلحة بعد ذلك، وفرض الأعيان هو ما تتكرر مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس مصلحتها الإجلال والتعظيم لله تعالى، وهو يتكرر حصوله بتكرر الصلاة، وحينئذ يظهر أن أخذ اللقطة من فروض الكفاية.
وقال الشافعي - رحمه الله - بالوجوب والندب كما قال بهما مالك قياسا على الوديعة بجامع حفظ المال فيلزم الندب أو قياسا على إنقاذ المال الهالك فيلزم الوجوب، وقال أبو حنيفة أخذها مندوب إلا عند خوف الضياع فيجب وعند أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - الكراهة لما في الالتقاط من تعريض نفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من التعريف فكان تركه أولى كتولي مال اليتيم وتخليل الخمر، وقد ذم الله تعالى الدخول في التكاليف بقوله تعالى ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾ [الأحزاب: 72] أي ظلوما لنفسه بتوريطها وتعريضها للعقاب وجهولا بالعواقب والحزم فيها، والأمانة قال العلماء هي ها هنا التكاليف، ولم أر أحدا فصل وقسم أخذ اللقطة إلى الأحكام الخمسة إلا أصحابنا بل كلهم أطلقوا.
(الفرق العشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه العدالة وبين قاعدة ما لا يشترط فيه العدالة)
قد تقرر في أصول الفقه أن
المصالح
إما في محل الضروريات أو في محل الحاجيات أو في محل التتمات، وإما مستغنى عنه بالكلية إما لعدم اعتباره، وإما لقيام غيره مقامه، والفرق ها هنا مبني على هذه القاعدة فإن اشتراط العدالة في التصرفات مصلحة لحصول الضبط بها وعدم الانضباط مع الفسقة، ومن لا يوثق به فاشتراط العدالة إما في محل الضرورات كالشهادات فإن الضرورة تدعو لحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع فلو قبل فيها قول الفسقة، ومن لا يوثق به لضاعت.
وكذلك الولايات كالإمامة والقضاء وأمانة الحكم، وغير ذلك من الولايات مما في معنى هذه لو فوضت لمن لا يوثق به لحكم بالجور، وانتشر الظلم، وضاعت المصالح، وكثرت المفاسد، ولم يشترط بعضهم في الإمامة العظمى العدالة لغلبة الفسوق على ولاتها فلو