وقال آخرون: لا ملازمة بين التوكل وترك الأسباب، ولا هو هو وهذا هو الصحيح؛ لأن التوكل هو اعتماد القلب على الله - تعالى - فيما يجلبه من خير، أو يدفعه من ضر، قال المحققون: والأحسن ملابسة الأسباب مع التوكل للمنقول والمعقول، أما المنقول فقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: 60] فأمر بالاستعداد مع الأمر بالتوكل في قوله تعالى ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران: 122] وقوله تعالى ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾ [فاطر: 6] أي تحرزوا منه فقد أمر باكتساب التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار، وأمر - تعالى - بملابسة أسباب الاحتياط والحذر من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد المتوكلين وكان يطوف على القبائل ويقول من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي.
وكان له جماعة يحرسونه من العدو حتى نزل قوله تعالى ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: 67] ودخل مكة مظاهرا بين درعين في كتيبته الخضراء من الحديد، وكان في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه - تعالى - يدخر قوت سنة لعياله، وأما المعقول فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة، ولهم عوائد في أيام لا يحسن إلا فيها أو أبواب لا تخرج إلا منها، أو أمكنة لا يدفع إلا فيها فالأدب معه أن لا يطلب منه فعل إلا حيث عوده، وأن لا يخالف عوائده بل يجري عليها، والله - تعالى - ملك الملوك وأعظم العظماء بل أعظم من ذلك رتب ملكه على عوائد أرادها، وأسباب قدرها، وربط بها آثار قدرته، ولو شاء لم يربطها