أدركته هل يدخل الورع والزهد في المباحات أم لا فادعى ذلك بعضهم، ومنعه بعضهم، وضيق بعضهم على بعض وأكثروا التشنيع فقال الأبياني في مصنفه: لا يدخل الورع فيها؛ لأن الله - تعالى - سوى بين طرفيها، والورع مندوب إليه، والندب مع التسوية متعذر، وقال الشيخ بهاء الدين الحميري: يدخل الورع في المباحات، وما زال السلف الصالح على الزهد في المباحات، ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا﴾ [الأحقاف: 20] وغيره من النصوص، وكل من الشيخين على الحق والصواب؛ إذ لم يتواردا على محل واحد في الكلام، والجمع بينهما أن المباحات لا زهد فيها، ولا ورع فيها من حيث هي مباحات، وفيها الزهد والورع من حيث إن الاستكثار من المباحات يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات، وقد يوقع في المحرمات، وكثرة المباحات أيضا تفضي إلى بطر النفوس فإن كثرة العبيد والخيل والخول والمساكن العلية والمآكل الشهية والملابس اللينة لا يكاد يسلم صاحبها من الإعراض عن مواقف العبودية والتضرع لعز الربوبية كما يفعل ذلك الفقراء أهل الحاجات والفاقات والضرورات، وما يلزم قلوبهم من الخضوع والذلة لذي الجلال وكثرة السؤال من نواله وفضله آناء الليل وأطراف النهار؛ لأن أنواع الضرورات تبعث على ذلك قهرا، والأغنياء بعيدون عن هذه الخطة فكان الزهد والورع في المباحات من هذا الوجه لا من جهة أنها مباحات، ويدل على اعتبار ما تقدم قوله تعالى ﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾ [العلق: 6] ﴿أن رآه استغنى﴾ [العلق: 7]
الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق · الجزء ٤ · الصفحة ٢٢٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروقج ٤ · ص ٢٢٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي