تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النادر

(التاسع عشر) المتداعيان أحدهما كاذب قطعا، والغالب أن أحدهما يعلم بكذبه، والنادر أن يكون قد وقعت لكل واحد منهما شبهة، وعلى التقدير الأول يكون تحليفه سعيا في وقوع اليمين الفاجرة المحرمة فيكون حراما غايته أنه يعارضه أخذ الحق، وإلجاؤه إليه، وذلك إما مباح أو واجب، وإذا تعارض المحرم، والواجب قدم المحرم، ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب، وأثبت حكم النادر لطفا بالعباد على تخليص حقوقهم، وكذلك القول في اللعان الغالب أن أحدهما كاذب يعلم كذبه، ومع ذلك يشرع اللعان.

(العشرون) غالب الموت في الشباب قال الغزالي في الإحياء، ولذلك الشيوخ أقل يعني أنه لو كان الشبان يعيشون لصاروا شيوخا فتكثر الشيوخ فلما كان الشيوخ في الوجود أقل كان موت الإنسان شابا أكثر، وحياته للشيخوخة نادرا، ومع ذلك شرع صاحب الشرع التعمير في الغائبين إلى سبعين سنة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد في إبقاء مصالحهم عليهم، ونظائر هذا الباب كثيرة في الشريعة فينبغي أن تتأمل وتعلم فقد غفل عنها قوم في الطهارات فدخل عليهم الوسواس، وهم يعتقدون أنهم على قاعدة شرعية، وهي الحكم بالغالب فإن الغالب على الناس والأواني والكتب وغير ذلك مما يلابسونه النجاسة فيغسلون ثيابهم، وأنفسهم من جميع ذلك بناء على الغالب، وهو غالب كما قالوا، ولكنه قدم النادر الموافق للأصل عليه، وإن كان مرجوحا في النفس، وظنه معدوم النسبة للظن الناشئ عن الغالب لكن لصاحب الشرع أن يضع في شرعه ما شاء، ويستثني من قواعده ما شاء هو أعلم بمصالح عباده فينبغي لمن قصد إثبات حكم الغالب دون النادر أن ينظر هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا، وحينئذ يعتمد عليه، وأما مطلق الغالب كيف كان في جميع صوره فخلاف الإجماع.

(تنبيه) ليس من باب تقديم النادر على الغالب حمل اللفظ على حقيقته دون مجازه، وعلى العموم دون الخصوص فإنه يمكن أن يقال إنه منه لغلبة المجاز على كلام العرب حتى قال ابن جني كلام العرب كله مجاز، وغلبة الخصوصات على العمومات حتى روي عن ابن عباس أنه قال ما من عام إلا، وقد خص إلا قوله تعالى ﴿والله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: 282] وإذا غلب المجاز والتخصيص فينبغي إذا ظفرنا بلفظ ابتداء أن نحمله على مجازه تغليبا للغالب على النادر، ولا نحمله على حقيقته لأنه النادر، ونحمل العموم

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق · الجزء ٤ · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروقج ٤ · ص ١٠٧