بينهما فهو الإباحة ولا ترتيب بين هذه الأنواع بل بينها وبين أصل الكلام رتبة عقلية لا زمانية؛ لأن العقل يقضي بتقديم العام على الخاص بالرتبة تقديما عقليا لا زمانيا فلا تلزم منافاة الأزل للإنشاء النفساني ولا الحدوث فإن قلت لم لا يجوز أن تكون هذه الأمور إخبارات عن إرادة وقوع العقاب على من خالف وعصى ولا تكون إنشاءات.
(قلت) ذلك باطل لوجوه: أحدها أن الخبر يقبل التصديق والتكذيب وهذه الأمور لا تحتملها فهي إنشاءات، وثانيها أنها لو كانت إخبارات للزم الخلف فيها لحصول العفو عن العصاة إما تفضلا من الله تعالى من غير سبب من المكلف أو بسبب هو التوبة لكن ذلك محال على الله تعالى فلا يكون خبرا عن ذلك، وثالثها أنه قد تقرر في علم الكلام أن إرادة الله تعالى واجبة النفوذ فلو كانت إخبارات عن إرادة العقاب لوجب عقاب كل عاص، وليس كذلك لإجماعنا على حصول العفو في كثير من الصور التي لا تحصى، والنصوص الدالة على ذلك من الكتاب والسنة لقوله تعالى ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ [الشورى: 25] ولقوله - عليه السلام - «الندم توبة والإسلام يجب ما قبله» ، الصورة الثالثة قوله تعالى في جزاء الصيد ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: 95] فاختلف العلماء فيها فقال الشافعي - رضي الله عنه - لا يتصور الحكم فيما أجمع عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - فإن الحكم لا بد فيه من الاجتهاد ولا اجتهاد في مواقع الإجماع؛ لأنه سعي في تخطئة المجمعين فيكون العام مخصوصا بصور الإجماع.
وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - النص باق على عمومه غير أن الواجب في الصيد إنما هو القيمة على طريق الفاصل الشاهد، ويدل على ذلك أمور أحدها قوله تعالى ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95] فجعل الجزاء للمثل لا للصيد نفسه، فالنعم واجبة في المثل الذي هو القيمة لا للصيد نفسه، وثانيها أنه لو حمل الجزاء على الصيد نفسه لزم التخصيص وعلى ما ذكرنا لا يلزم التخصيص.
وذلك لأن قوله تعالى ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: 95] عام في جميع أنواع الصيد فلو حمل الجزاء على الصيد خرج منه ما لا مثل له من النعم كالعصافير والنمل وغيرها، وإذا قلنا بالقيمة وجب في جميع ذلك القيمة فلا تخصيص وهو أولى فيجب المصير إليه، وثالثها أن الله تعالى اشترط الحكمين، وذلك إنما يتأتى إذا قلنا بالقيمة فإنه لا يلزم إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على تقويم صيد أن لا نقومه نحن بعد ذلك فإن أفراد النوع الواحد تختلف قيمتها ولا يغني تقويم عن تقويم فيبقى العموم على عمومه في الصحابة ومن بعدهم أما لو جعلنا في الصيد الجزاء مع أنهم قد أجمعوا على أن في الضبع شاة وفي البقرة الوحشية بقرة وفي النعامة بدنة وغير ذلك من الصور التي يفرض حصول الإجماع فيها فإن ذلك يتعين