تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن المعارض نعم إذا وجدنا مناسبين تعارضا أو مدركين تقابلا فحينئذ يحسن التوقف وهذا تقرير ظاهر في دفع هذا السؤل.

(المسألة الرابعة) إن الإنشاء كما يكون بالكلام اللساني يكون بالكلام النفساني ولذلك صور: (الصورة الأولى) أن الله سبحانه وتعالى أنشأ السببية في زوال الشمس لوجوب الظهر، وأنزل القرآن الكريم دالا على ما قام بذاته من هذا الإنشاء بقوله تعالى ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: 78] فإن الكتب المنزلة عندنا أدلة الأحكام لا نفس الأحكام، وإلا يلزم اتحاد الدليل والمدلول وقس على ذلك جميع الأسباب الشرعية، وكذلك القول في الشروط كالحول في الزكاة والطهارة في الصلاة، وكذلك الموانع الشرعية كالكفر من الميراث والحدث من الصلاة وغير ذلك من الموانع، وما ورد من الكتاب والسنة في ذلك إنما هو أدلة على ما قام بذات الله تعالى. الصورة الثانية الأحكام الخمسة الشرعية وهي الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة كلها قائمة بذات الله تعالى عند أهل الحق، والكتاب والسنة وغير ذلك من أدلة الشرع إنما هي أدلة على ما قام بذات الله تعالى من ذلك، وكذلك الواحد منا إذا قال لغلامه اسرج الدابة فقد أنشأ في نفسه إيجابا وطلبا للإسراج قبل الدلالة عليه بلفظه، وكذلك النهي وغير ذلك غير أن إنشاء الخلق لهذه الأمور حادث وفي حق الله تعالى قديم فإن قلت كيف يتصور الإنشاء القديم وليس في الأزل من يطلب منه شيء، ولأنك قررت في الفرق بين الإنشاء والخبر أن الإنشاء لا بد وأن يكون طارئا على الخبر، ووصف الطروء يأبى الأزلية.

(قلت) الجواب عن الأول أن الله تعالى يوجب في الأزل على زيد المعين على تقدير وجوده مجتمع الشرائط مزال الموانع، وذلك غير ممتنع كما يجد أحدنا في نفسه طلب تحصيل العلم والفضائل من ولدان رزقه وهو الآن لا ولد له فيتقدم منا الطلب على وجود المطلوب، وتقدم الطلب على المطلوب منه لا غرو فيه، وعن الثاني أن ذلك الفرق إنما هو بين الإنشاء والخبر اللغويين باعتبار الوضع اللغوي، أما في الكلام النفساني فلا ترتيب بينهما بل هما نوعان لمطلق الكلام النفسي فإنه واحد، ويختلف باختلاف متعلقاته فإن تعلق بأحد النقيضين الوجود أو العدم على وجه التبع فهو الخبر، وإن تعلق بأحدهما على وجه الترجيح فإن كان في طرف الوجود فهو الإيجاب أو العدم فهو التحريم أو تعلق بالتسوية

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق · الجزء ١ · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروقج ١ · ص ٤٩