تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرواية فإنها تصح من الواحد والمرأة والعبد فأقول لهم اشتراط ذلك فيها فرع تصورها وتمييزها عن الرواية فلو عرفت بأحكامها وآثارها التي لا تعرف إلا بعد معرفتها لزم الدور وإذا وقعت لنا حادثة غير منصوصة من أين لنا أنها شهادة حتى يشترط فيها ذلك فلعلها من باب الرواية التي لا يشترط فيها ذلك فالضرورة داعية لتمييزهما، وكذلك إذا رأينا الخلاف في إثبات شهر رمضان هل يكتفى فيه بشاهد أم لا بد من شاهدين، ويقول الفقهاء في تصانيفهم منشأ الخلاف في ذلك هل هو من باب الرواية أو من باب الشهادة.

وكذلك إذا أخبره عدل بعدد ما صلى قالوا ذلك بعينه، وأجروا الخلاف فيهما لم تتصور حقيقة الشهادة والرواية وتميز كل واحدة منهما عن الأخرى لا يعلم اجتماع الشائبتين منهما في هذه الفروع، ولا يعلم أي الشائبتين أقوى حتى يرجح مذهب القائل بترجيحها، ولعل أحد القائلين ليس مصيبا وليس في الفروع إلا إحدى الشائبتين أو أحد الشبهين والآخر منفي أو الشبهان معا منفيان، والقول بتردد هذه الفروع بينهما ليس صوابا بل يكون الفرع مخرجا على قاعدة أخرى غير هاتين، وهذا جميعه إنما يتلخص إذا علمت حقيقة كل واحدة منهما من حيث هي هي فحينئذ يتصور هنا اشتراط العدد، ولا يقبل في ذلك الفرع العدل الواحد ويعتقد أنه مخرج على الشبهين المذكورين وأي القولين أرجح إما مع الجهل بحقيقتهما فلا يتأتى شيء من ذلك، وتبقى هذه الفروع مظلمة ملتبسة علينا، ولم أزل كذلك كثير القلق والتشوف إلى معرفته ذلك حتى طالعت شرح البرهان للمازري - رضي الله عنه - فوجدته ذكر هذه القاعدة وحققها وميز بين الأمرين من حيث هما، واتجه تخريج تلك الفروع اتجاها حسنا.

وظهر أي الشبهين أقوى، وأي القولين أرجح، وأمكننا من قبل أنفسنا إذا وجدنا خلافا محكيا ولم يذكر سبب الخلاف فيه أن نخرجه على وجود الشبهين فيه إن وجدناهما ونشترط ما نشترطه ونسقط ما نسقطه، ونحن على بصيرة في ذلك كله، فقال - رحمه الله - الشهادة والرواية خبران غير أن المخبر عنه إن كان أمرا عاما لا يختص بمعين فهو الرواية كقوله - عليه الصلاة والسلام - «إنما الأعمال بالنيات» والشفعة فيما لا يقسم لا يختص بشخص معين بل ذلك على جميع الخلق في جميع الأعصار والأمصار بخلاف قول العدل عند الحاكم لهذا عند هذا دينار إلزام لمعين لا يتعداه إلى غيره فهذا هو الشهادة المحضة، والأول هو الرواية المحضة ثم تجتمع الشوائب بعد ذلك

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق · الجزء ١ · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروقج ١ · ص ٥