إنما هي في التعارض ولم يقع هاهنا تعارض فلم يجتمع نهي الغصب ونهي التعدي وقدم أحدهما على الآخر بل انفرد نهي المتعدي وحده في هذه الصورة وثانيها أن النهي الخاص هاهنا نهي آدمي والنهي العام نهي الله تعالى فلا يرجح نهي الآدمي لخصوصه على نهي الله تعالى مع عمومه بل لا اعتبار بنهي العبد أصلا وإنما تنبني الشرائع على نهي الله تعالى وأمره.
فإن قلت إذا نهي العبد عن الانتفاع بملكه في غاية معينة أو في حالة معينة فإن نهي الله يصحبه في تلك الغاية وفي تلك الحالة فنحن في الحقيقة إنما رجحنا بين نهيين لله تعالى أحدهما خاص والآخر عام قلت هذا كلام صحيح ولكن النهي الذي صحب نهي العبد هاهنا هو نهي عام وهو نهي الغصب بعينه فإن الله تعالى حرم الانتفاع بالأملاك والأموال إلا برضا أربابها فأي حالة لم يوجد فيها الرضا يكون ذلك النهي متحققا فيكون نهي الله تعالى بعد الغاية هو ذلك النهي العام الذي استثني منه حالة الرضا دون غيرها وهذا هو عين نهي الغصب الذي هو النهي العام وهذه صورة من صوره وهو المصرح به في قوله - عليه السلام - «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» واستثنى حالة الطيب عن النهي العام وبقي ما عدا حالة طيب النفس مندرجا تحت النهي العام وهو بعينه نهي الغصب فظهر أن التخيل الذي قاله من تعارض نهيين شرعيين باطل وثالثها إذا قسنا ترك الضمان في هذه الصورة على ترك الضمان في صورة الغصب كان القياس صحيحا سالما عن المعارض ولو قسنا هنالك الحرير على الجنس أو الميتة على الصيد فترك الجميع أدى ذلك إلى هلاك المحرم بالجوع وبقاء المصلي عريانا وهذه مفسدة تعارضنا في قياسنا وتمنع منه فكيف نسوي بين موضع لا معارض للقياس فيه وبين موضع للقياس فيه معارض أقوى منه أو قادح فيه.