وأما الأمر الثانى: فإن قوماً أغفلوه أيضاً، ولم يمعنوا النظر، حتى اختلف عليهم الفهم فى القرآن والسنة، فأحالوا بالاختلاف عليها تحسيناً للظن بالنظر الأول، وهذا هو الذى عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حال الخوارج، حيث قال: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم)(1)، فوصفهم بعدم الفهم للقرآن، وعند ذلك خرجوا على أهل الإسلام، إذ قالوا: لا حكم إلا لله، وقد حكم الرجال فى دين الله! حتى بين لهم حبر القرآن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما معنى قوله تعالى: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ (2) على وجه أذعن بسببه منهم ألفان –أو من رجع منهم إلى الحق- وتمادى الباقون على ما كانوا عليه، اعتماداً –والله أعلم- على قول من قال منهم: لا تناظروه ولا تخاصموه فإنه من الذين قال الله فيهم: ﴿ بل هم قومٌ خصمون ﴾ (3).
فتأملوا رحمكم الله كيف كان فهمهم فى القرآن، ثم لم يزل هذا الإشكال يعترى أقواماً حتى اختلفت عليهم الآيات والأحاديث، وتدافعت على أفهامهم، فجعجعوا به قبل إمعان النظر.
[فصلٌ]: النوع الثالث [تحسين الظن بالله]
إن الله جعل للعقول فى إدراكها حداً تنتهى إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلاً إلى الإدراك فى كل مطلوب، ولو كانت كذلك، لاستوت مع البارى تعالى فى إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون إذ لو كان كيف كان يكون؟ فمعلومات الله لا تتناهى، ومعلومات العبد متناهية، والمتناهى لا يساوى ما لا يتناهى.
ووجه آخر: وهو أن العقل لما ثبت أنه قاصر الادراك فى علمه بما أدعى علمه، لم يخرج عن تلك الأحكام الشرعية التى زعم أنه أدركها، لإمكان أن يدركها من وجه دون وجه، وعلى حال دون حال.
(1) ... تقدم مراراً: انظر ص112، 118، 411، 473.
(2) ... يوسف: 40، 76.
(3) ... الزخرف: 58، وانظر ما تقدم ص 156، 475.