تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثانى): أن يوقن بأنه لا تضاد بين آيات القرآن، ولا بين الأخبار النبوية ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جار على مَهيَع(1) واحد، ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أداه بادى الرأى(2) إلى ظاهر اختلاف، فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف، لأن الله قد شهد له أن لا اختلاف فيه(3)، فليقف وقوف المضطر السائل عن وجه الجمع، أو المُسَلِّم من غير اعتراض، فإن كان الموضع مما يتعلق به حكم عملىّ، التمس المخرج حتى يقف على الحق اليقين، أو يبقى باحثاً إلى الموت، ولا عليه من ذلك، فإذا اتضح له المغزى، وتبينت له الواضحة، فلابد (له) من أن يجعلها حاكمة فى كل ما يعرض له من النظر فيها، ويضعها نصب عينيه فى كل مطلب دينى، كما فعل من تقدمنا ممن أثنى الله عليهم.

فأما الأمر الأول(4)، فهو الذى أغفله المبتدعون، فدخل عليهم بسبب ذلك الاستدراك على الشرع، وإليه مال كل من كان يكذب على النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فيقال له فى ذلك، ويُحَذَّر ما فى الكذب عليه من الوعيد، فيقول: لم أكذب عليه، وإنما كذبت له.

وحكى عن محمد بن سعيد المعروف بالأردنى: أنه قال: إذا كان الكلام حسناً، لم أر بأساً أن أجعل له إسناداً! فلذلك كان يحدث بالموضوعات، وقد قتل فى الزندقة وصلب، وقد تقدم لهذا القسم أمثلة كثيرة.

(1) ... مَهيَع: أى طريق واضح.

(2) ... بادى الرأى: قال النووى فى شرح مسلم عند شرح حديث الخضر (2380): بادِئ بالهمز وتركه، فمن همز معناه أول الرأى وابتداؤه، أى من غير فكر، ومن لم يهمز فمعناه. ظهر له رأى -من البدء- وهو ظهور رأى لم يكن. وانظر تفسير الآية 27 من سورة هود: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى ﴾ .

(3) ... كقوله تعالى: ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ﴾ النساء: 82، ويدل على ذلك أيضًا آيات كثيرة فى القرآن العظيم: 42: فصلت، 64: النحل،

213: البقرة.

(4) ... وهو النظر إلى الشريعة بعين الكمال.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٤٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٤٣٢