فأما جهة الجهل، فتارة تتعلق بالأدوات التى بها تفهم المقاصد، وتارة تتعلق بالمقاصد.
وأما جهة تحسين الظن [بالعقل]، فتارة يشرك [العقل] فى التشريع مع الشرع، وتارة يقدم عليه، وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد.
وأما جهة اتباع الهوى، فمن شأنه أن يغلب الفهم حتى يغلب صاحب الأدلة، أو يستند إلى غير دليل، وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد.
فالجميع أربعة أنواع، وهى: الجهل بأدوات الفهم، والجهل بالمقاصد، وتحسين الظن بالعقل، واتباع الهوى.
فلنتكلم على كل واحد منها، وبالله التوفيق.
[فصلٌ]: النوع الأول [الجهل بأدوات الفهم]
إن الله عز وجل أنزل القرآن عربياً لا عجمة فيه، بمعنى أنه جارٍ فى ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿ إنا جعلناه قرآنا عربياً ﴾ (1)، وقال تعالى: ﴿ قرآناً عربياً غَيرَ ذى عِوَجٍ ﴾ (2).
وكان المُنزل عليه القرآن عربياً أفصح من نطق بالضاد، وهو محمد ابن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان الذين بُعث فيهم عرباً أيضاً، فجرى الخطاب به على معتداهم فى لسانهم، فليس فيه شىء من الألفاظ والمعانى إلا وهو جار على ما اعتادوه، ولم يداخله شىء، بل نفى عنه أن يكون فيه شىء أعجمى:
فقال تعالى: ﴿ ولقد نعلمُ أنهم يقولونَ إنما يُعلمه بشر لسانُ الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مُبين ﴾ (3).
وإذا كان كذلك، فلا يفهم كتاب الله تعالى إلا من الطريق الذى نزل عليه، وهو أعتبار الفاظها ومعانيها وأساليبها(4).
فعلى الناظر فى الشريعة والمتكلم فيها أصولاً وفروعاً أمران:
أحدهما: أن لا يتكلم فى شىء من ذلك حتى يكون عربياً، أو كالعربى، فى كونه عارفاً بلسان العرب.
(1) ... الزخرف: 30.
(2) ... الزمر: 23.
(3) ... النحل: 103.
(4) ... يعنى اعتبار ألفاظ ومعانى وأساليب لغة العرب التى بها نزل القرآن.