تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها: اتباع الهوى الذى ترمى به كل فرقة صاحبتها وتبرئ نفسها منه، فلا يمكن فى الظاهر مع هذا أن يتفقوا على مناط هذه العلامات، وإذا لم يتفقوا عليها، لم يمكن ضبطهم بها بحيث يشير إليهم بتلك العلامات، وأنهم فى التحصيل متفقون عليها، وبذلك صارت علامات، فكيف يمكن مع اختلافهم فى المناط الضبط بالعلامات.

ووجه رابع: وهو ما تقدم من فهمنا من مقاصد الشرع فى الستر على هذه الأمة(1)، وإن حصل التعيين بالاجتهاد، فالاجتهاد لا يقتضى الاتفاق على محمله.

ووجه خامس: وهو ما تقدم تقريره فى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ... ﴾ (2)، يشعر فى هذا المطلوب أن الخلاف لا يرتفع(3)، مع ما يعضده من الحديث الذى فرغنا من بيانه، وهو حديث الفرق، إذ الآية لا تشعر بخصوص مواضع الخلاف، لإمكان أن يبقى الخلاف فى الأديان دون دين الإسلام، لكن الحديث بيَّن أنه واقع فى الأمة أيضاً، فانتظمته الآية بلا إشكال.

فإذا تقرر هذا، ظهر به أن التعيين للفرقة الناجية بالنسبة إليها اجتهادى لا ينقطع الخلاف فيه، وإن ادعى فيه القطع دون الظن، فهو نظرى لا ضرورى، ولكنا مع ذلك نسلك فى المسألة –بحول الله- مسلكاً وسطاً يذعن إلى قبوله عقلُ المنصف، ويقر بصحته العالمُ بكليات الشريعة وجزئياتها، والله الموفق للصواب.

فنقول: لابد من تقديم مقدمة قبل الشروع فى المطلوب، وذلك أن الإحداث فى الشريعة إنما يقع: إما من جهة الجهل، وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع الهوى فى طلب الحق، وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة، وقد مَرَّ فى ذلك ما يؤخذ منه شواهد المسألة، إلا أن الجهات الثلاث قد تنفرد وقد تجتمع، فإذا اجتمعت، فتارة تجتمع منها اثنتان، وتارة تجتمع الثلاث:

(1) ... راجع ص491.

(2) ... هود: 118.

(3) ... راجع ص464.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٤٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٤٢٦