قد تقدم قبل هذا أن كل فرقة وكل طائفة تدعى أنها على الصراط المستقيم، وأن ما سواها منحرف عن الجادة وراكب بُنيات(1) الطريق، فوقع بينهم الاختلاف إذاً فى تعيينه وبيانه، حتى أشكلت المسألة على كل من نظر فيها، فتحرير النظر حتى تتضح الفرقة الناجية التى كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أغمض المسائل. (هذا وجه).
ووجه ثانى: أن الطريق المستقيم لو تعيَّن بالنسبة إلى من بعد الصحابة، لم يقع اختلاف أصلاً، لأن الاختلاف مع تعيين محله محال، والفرض أن الخلاف ليس بقصد العناد، لأنه على ذلك الوجه مُخرج عن الإسلام، وكلامنا فى الفرق.
ووجه ثالث: أنه قد تقدم أن البدع لا تقع من راسخ فى العلم، وإنما تقع ممن لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة المتصرفين فى أدلتها، والشهادة بأن فلاناً راسخ فى العلم وفلاناً غير راسخ فى غاية الصعوبة، فإن كل من خالف وانحاز إلى فرقة يزعم أنه الراسخ، وغير قاصر النظر، فإن فرض على ذلك المطلب علامة، وقع النزاع إما فى العلامة وإما فى مناطها.
ومثال ذلك: أن علامة الخروج من الجماعة الفُرقة المنبه عليها بقوله تعالى: ﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ﴾ (2)، والفرقة –بشهادة الجميع- حقيقية وإضافية، فكل طائفة تزعم أنها هى الجماعة، ومن سواها مفارق للجماعة.
ومن العلامات: اتباع ما تشابه من الأدلة، وكل طائفة ترمى صاحبتها بذلك، وأنها هى التى اتبعت أم الكتاب دون الأخرى، فتجعل دليلها عمدة، وترد إليه سائر المواضع بالتأويل، على عكس الأخرى.
(1) ... بُنيات الطريق: هى الطرق الصغار تتشعَّب من الجادَّة وهى النُّزهات (عن لسان العرب).
(2) ... آل عمران: 105.