وحاصل ما عولوا عليه تحكيم العقول المجردة، فشركوها مع الشرع فى التحسين والتقبيح، ثم قصروا أفعال الله على ما ظهر لهم ووجهوا عليها أحكام العقل، فقالوا: يجب على الله كذا! ولا يجوز أن يفعل كذا! فجعلوه محكوماً عليه كسائر المكلفين، ومنهم من لم يبلغ هذا المقدار، بل استحسن شيئاً يفعله، واستقبح آخر، وألحقها بالمشروعات.
ولكن الجميع بقوا على تحكيم العقول، ولو وقفوا هنالك، لكانت الداهية على عظمها أيسر، ولكنهم تجاوزوا هذه الحدود كلها، إلى أن نصبوا المحاربة لله ورسوله، باعتراضهم على كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وادعائهم عليهما من التناقض والاختلاف ومنافاة العقول وفساد النظم ما هم له أهل.
فأهل الأهواء إذا استحكمت فيهم أهواؤهم، لم يبالوا بشىء، ولم يعدوا خلاف أنظارهم شيئاً، ولا راجعوا عقولهم مراجعة من يتهم نفسه ويتوقف فى موارد الإشكال (وهو شأن المعتبرين من أهل العقول)، وهؤلاء صنف من أصناف من اتبع هواه، ولم يعبأ بعذل العاذل فيه، ثم هناك أصناف أخر، تجمعهم مع هؤلاء إشراب الهوى فى قلوبهم، حتى يبالوا بغير ما هو عليه.
فإذا تقرر معنى الرواية بالتمثيل، صرنا منه إلى معنى آخر، وهى:
19- المسألة التاسعة عشرة
أن قوله: "تتجارى بهم تلك الأهواء"، فيه الإشارة بـ "تلك"، فلا تكون إشارة إلى غير مذكور، ولا محالاً بها على غير معلوم، بل لابد لها من متقدم ترجع إليه، وليس إلا الأحوال التى كانت السبب فى الافتراق، فجاءت الزيادة فى الحديث مبينة أنها الأهواء، وذلك قوله: تتجارى بهم تلك الأهواء"، فدل على أن كل خارج عما هو عليه وأصحابه إنما خرج باتباع الهوى لا بالشرع، وقد مر بيان هذا المعنى قبلُ، فلا نعيده.
20- المسألة العشرون
أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : (وإنه سيخرج من أمتى أقوام ... )، على وصف كذا، يحتمل أمرين: