تشوبها شائبة الفرقة، ولا أن يحكم عليهم بأنهم فرق ضالة خارجة عن الصراط وعن جماعة المسلمين، بل الحق والعدل فيهم أنهم طوائف من جماعة المسلمين قد شابهت الفرق فى أهم سماتها وصفاتها السلوكية والعملية، فحق بذلك أن يكون لها نصيب من الجماعة، ونصيب من الفرقة، فيكون لها من الوعد بالنجاة فى الآخرة، والنصر والتمكين فى الدنيا بقدر ما أخذت به من معانى الجماعة، ويكون لها من وعيد الفرق بالخزى فى الدنيا والعذاب فى الآخرة بقدر ما شابهت فيه هذه الفرق من السمات والصفات، إلا أن يكون بعض هذا الافتراق والشقاق راجعاً إلى خطأ فى الاجتهاد، فيرفع ذلك عن صاحبه العذاب الأخروى وإن كان النصر والتمكين فى الدنيا لا يتحقق إلا بالوحدة والاجتماع لأن هذه هى سنن النصر الكونية والشرعية.
قال تعالى: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ﴾ (1).
يقول ابن تيمية –رحمه الله- فى كتاب "الاستقامة"، فى معرض بيانه أن بعض هذا الافتراق قد يعذر صاحبه لخطئه فى الاجتهاد ولتصوره أن المخالف مبتدع وأن الواجب الشرعى فى حقه هو اعتزاله ومفارقته يقول: "ثم إن من مسائل الخلاف ما يتضمن أن اعتقاد أحدهما يوجب عليه بُغض الآخر ولعنه أو تفسيقه أو تكفيره أو قتاله. فإذا فعل ذلك مجتهداً مخطئاً كان خطؤه مغفوراً له، وكان ذلك فى حق الآخر محنة فى حقه وفتنة وبلاء ابتلاه الله به.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذه حال البغاة المتأولين مع أهل العدل، سواء كان ذلك بين أهل اليد والقتال من الأمراء ونحوهم، أو بين أهل اللسان والعلم من العلماء والعُبَّاد ونحوهم، وبين من يجمع الأمرين.
ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغى، لا لمجرد الاجتهاد".
سؤال: كيف يكون الالتزام بالجماعة مع اعتزال تلك الجماعات؟
(1) ... الأنفال: 46.