وهذا المعنى هو المفهوم من قوله - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين بعد العصر، حين صلاهما فسئل عنهما فقال: "يا ابنة أبي أمية،سألتِ عن الركعتين بعد العصر، أتى ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان"(1)، لأنه سئل عن صلاته لهما بعد ما نهى عنهما، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصليهما بعد الظهر كالنوافل الراتبة، فلما فاتتاه صلاهما بعد وقتهما كالقضاء لهما حسبما يقضى الواجب.
فصار إذاً لهذا النوع من التطوع حالة بين حالتين، إلا أنه راجع إلى خيرة المكلَّف بحسب ما فهمنا من الشرع. وإذا كان كذلك، فقد فهمنا من مقصود الشرع أيضاً الأخذ بالرفق والتيسير، وأن لا يلزم المكلف ما لعله يعجز عنه، أو يحرج بالتزامه، فإن ترك الالتزام إن لم يبلغ مبلغ النذر الذي يكره ابتداءً، فهو يقرب من العهد الذي يجعله الإنسان بينه وبين ربه، والوفاء بالعهد مطلوب في الجملة، فصار الإخلال به مكروهاً.
(1) رواه البخاري (1233، 4370) ومسلم (834) وأبو داود (1273) وابن حبان (1576) والدارمي والبيهقي، وهي: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية، أم سلمة أم المؤمنين، وهي بنت عم خالد بن الوليد وأبي جهل بن هشام، كانت من أجمل النساء وأشرفهن نسباً، تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة أربع وقيل ثلاث بعد سودة وعائشة، لها أولاد صحابيون: عمر وسلمة وزينب التي كانت في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأكثرت من الرواية عن النبي، وهي تعد من فقهاء الصحابيات، وكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين، عمرت حتى بلغها مقتل الحسين الشهيد فوجعت لذلك وغشي عليها وحزنت عليه كثيراً، ولم تلبث بعده إلا يسيراً، ماتت سنة اثنتين وستين رضي الله عنها. (انظر سير أعلام النبلاء).