وقد مر أنه إنما سماها بدعة باعتبارٍ ما، وأن قيام الإمام بالناس في المسجد في رمضان سنة، عمل بها صاحب السنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما تركها خوفاً من الافتراض، فلما انقضى زمن الوحي زالت العلة فعاد العمل بها إلى نصابه، إلا أن ذلك لم يتأت لأبي بكر رضي الله عنه زمان خلافته، لمعارضة ما هو أولى بالنظر فيه(1)، وكذلك صدر خلافة عمر رضي الله عنه، حتى تأتَّى النظر فوقع منه، لكنه صار في ظاهر الأمر كأنه أمرٌ لم يجر به عمل من تقدمه دائماً، فسماه بذلك الاسم، لا أنه أمرٌ على خلاف ما ثبت من السنة.
فكأن أبا أمامة رضي الله عنه، اعتبر فيه نظر ترك العمل به فسماه إحداثاً، موافقة لتسمية عمر رضي الله عنه، ثم أمر بالمداومة عليه بناءً على ما فهم من هذه الآية من أن ترك الرعاية هو ترك دوامهم على التزام عمل ليس بمكتوب بل هو مندوب، فلم يوفوا بمقتضى ما التزموه، لأن الأخذ في التطوعات غير اللازمة، ولا السنن الراتبة يقع على وجهين:
(1) أما خشية النبي - صلى الله عليه وسلم - من فرض صلاة النافلة عليهم فتقدم تخريجه ص44، 178.
وأما انشغال أبي بكر رضي الله عنه فبسبب قتاله لمانعي الزكاة، وحربه للمرتدين، وكانت مدة خلافته ليست طويلة فقد بلغت: سنتان وثلاثة أشهر، لأنه تولى الخلافة عقب وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشر من الهجرة، وتوفي لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة، للسن الذي توفي فيه صاحبه وحبيبه وخليله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد جمع الله بينهما في التربة كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.