نعم لا يحكم بمجَّرد الرؤيا حتى يعرضها على العلم، لإمكان اختلاط أحد القسمين بالآخر على الجملة، فلايستدل بالرؤيا فى الأحكام إلا ضعيف المُنة(1).
نعم يأتى المرئى تأنيساً وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً، ولا يبنون عليها أصلاً، وهو الاعتدال(2) فى أخذها، حسبما فُهِمَ من الشرع فيها، والله أعلم.
ومن نظر إلى طرق أهل البدع فى الاستدلال، عرف أنها لا تنضبط، لأنها سيَّالة لا تقف عند حد، وعل كل وجهٍ يصحُّ لكل زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره حتى ينسب النحلة التى التزمها إلى الشريعة.
وكذلك يمكن كل من اتبع المتشابهات، أو حرف المناطات، أو حَمَّلَ الآيات مالا تحمله عند السلف الصالح، أو تمسك بالواهية من الأحاديث، أو أخذ الأدلَّة ببادى الرأى، له أن يستدلَّ على كل فعل أو قول أو اعتقاد وافق غرضه بآية أو حديث لا يجوِّز ذلك أصلاً.
والدَّليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآية أو حديث، من غير توقف –حسبما تقدم ذكره-، وسيأتى له نظائر أيضاً إن شاء الله.
فمن طلب خلاص نفسه، تثبت حتى يتَّضح له الطريق، ومن تساهل، رمته أيدى الهوى فى معاطب لا مخلص له منها إلا ما شاء الله.
الباب الخامس
فى أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما
ولابد قبل النظر فى ذلك من تفسير البدعة الحقيقية والإضافية، فنقول وبالله التوفيق:
(1) ... المُنة: القوة وخصت بقوة القلب والمقصود ضعيف القلب.
(2) ... وهو أوسط الأقوال وأحسنها وأعدلها في حكم الرؤى المنامية، بين من قالوا يعمل بها مطلقاً، ومن أعرض عنها مطلقاً، فهي كما جاء في الحديث: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات.. الرؤيا الصالحة" رواه البخاري (6990) وغيره.