إذ سئل عن حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة فى قضية، فلما نام الحاكم، ذكر أنه رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - ، وقال له: تحكم بهذه الشهادة؟! فإنها باطلة؟
فأجاب بأنه لا يحلُّ له أن يترك العمل بتلك الشهادة، لأن ذلك إبطال لأحكام الشريعة بالرؤيا، وذلك باطل لا يصح أن يعتقد، إذ لا يعلم الغيب من ناحيتها إلا الأنبياء الذين رؤياهم وحى، ومن سواهم، إنما رؤياهم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
ثم قال: "وليس معنى قوله: (من رآنى فقد رآنى حقاً): أن كل من رأى فى منامه أنه رآه فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائى قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائى على صفة وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أن تختلف صور النبى - صلى الله عليه وسلم - ولا صفاته، وإنما معنى الحديث: من رآنى على صورتى التى خُلقتُ عليها، فقد رآنى، إذ لا يتمثل الشيطان بى، إذ لم يقل: من رأى أنه رآنى فقد رآنى، وإنما قال: من رآنى فقد رآنى، وأنى لهذا الرائى الذى رأى أنه رآه على صورة أنه رآه عليها، وإن ظن أنه رآه، ما لم يعلم أن تلك الصورة (صورته) بعينها؟! وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته".
فهذا ما نقل ابن رشد، وحاصله يرجع إلى أن المرئى قد يكون غير النبى - صلى الله عليه وسلم - وإن اعتقد الرائى أنه هو.
والثانى: يقول علماء التعبير: إن الشيطان قد يأتى النائم فى صورة ما من معارف الرائى وغيرهم، فيشير إلى رجل آخر: هذا فلان النبى، وهذا الملك الفلانى، أو من أشبه هؤلاء ممن لا يتمثل الشيطان به، فيوقع اللبس على الرائى بذلك وله علامة عندهم، وإذا كان كذلك، أمكن أن يكلمه ذلك المشار إليه بالأمر والنهى غير الموافقين للشرع، فيظن الرائى أنه من قبل النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يكون كذلك، فلا يوثق بما يقول له أو يأمر أو ينهى.