تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت فى منامى كأنك تطأ بساطى وأنت معرض عنى، فقصصتُ رؤياى على مَن عبَّرها، فقال لى: يُظهر لك طاعة ويُضمر معصية. فقال له شريك: والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل عليه السلام، ولا أن معبرك يُوسف الصديق عليه السلام، فبالأحلام الكاذبة تُضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحيى المهدى، وقال: اخرج عنى، ثم صرفه وأبعده".

وأما الرؤيا التى يخبر فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرائى بالحكم، فلابد من النظر فيها أيضاً، لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالعمل بما استقر، وإن أخبر بمخالف، فمحال، لأنه عليه السلام لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة فى حياته، لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائى النومية، لأن ذلك باطل بالإجماع، فمن رأى شيئاً من ذلك، فلا عمل عليه، وعند ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة، إذ لو رآه حقاً، لم يخبره بما يخالف الشرع.

لكن يبقى النظر فى معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - (من رآنى فى النوم فقد رآنى) وفيه تأويلان:

أحدهما: ما ذكره ابن رشد(1)،

(1) ... ابن رشد: الإمام العلامة شيخ المالكية قاضي الجماعة بقرطبة، أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي، قال ابن بشكوال: كان فقيهاً عالماً حافظاً للفقه مقدمًا فيه على جميع أهل عصره، عارفاً بالفتوى بصيراً بأقوال أئمة المالكية، نافذاً في علم الفرائض والأصول، من أهل الرياسة في العلم والبراعة والفهم، مع الدين والفضل والوقار والحلم والسمت الحسن، والهدي الصالح، ومن تصانيفه: كتاب المقدمات لأوائل كتب المدونة، وكتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل، واختصار المبسوطة، واختصار مشكل الآثار للطحاوي، عاش سبعين سنة، ومات في ذي القعدة سنة عشرين وخمس مئة. قلت: وحفيده هو فيلسوف زمانه، وللقاضي عياض سؤالات لابن رشد مؤلف نفيس (السير 19/501).

ابن رشد الحفيد: العلامة فيلسوف الوقت، أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن شيخ المالكية: أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي، مولده قبل موت جده بشهر سنة عشرين وخمس مئة، عرض الموطأ على أبيه، وبرع في الفقه، وأخذ الطب عن أبي مروان بن حزبول، وكان يفزع إلى فتياه في الطب كما يفزع إلى فتياه في الفقه، مع وفور العربية، وله من التصانيف: بداية المجتهد في الفقه، والكليات في الطب، ومختصر المستصفى في الأصول ومؤلف في العربية، وولي قضاء قرطبة فحمدت سيرته. ولما كان المنصور صاحب المغرب بقرطبة استدعى ابن رشد واحترمه كثيراً، ثم نقم عليه بعد يعني لأجل الفلسفة. ومات محبوساً بداره بمراكش في أواخر سنة أربع، وقال غيره مات في صفر وقيل ربيع الأول سنة خمس (السير 21/307).

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ١٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ١٨٩