تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ابتداء الإنسان بنعمة الله

وقول المصنف رحمه الله: (الذي ابتدأ الإنسان بنعمته)، يعني: أن الله عز وجل يعطي الإنسان من غير سؤال, وهو الذي تكفل برزق العباد، والله جل وعلا رب العباد يرزقهم سبحانه وتعالى من غير سؤال، فيعطي الإنسان بسؤال سواء كان كافراً أو غير كافر ويعطيه بغير سؤال، إذاً فهو رب العباد, ومعنى الربوبية: أن الله عز وجل يتكفل بالرزق, وبهذا نعلم أن رزق الله لعباده لا يعني به إكراماً لأحد على غيره، فالله يرزق البهائم من بهيمة الأنعام والطير وغير ذلك كما يرزق الإنسان, ويرزق الإنسان كما يرزق البهائم، ولهذا لم تكن الدنيا من جهة زيادتها أو نقصانها معياراً للخير, وإلا لكان زمن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الأزمنة إغداقاً بالرزق وإكثاراً للخير مما يأتي بعده من العصور, وإنما هي أشياء قدرية, وبهذا نعلم أن الله عز وجل يعطي الدنيا الكافر وغير الكافر, والذي يحتج بهذا الأمر فيقول: لماذا يعطي الله عز وجل الكافر وهو يكفر به؟ ولماذا يرزق الله عز وجل الكافر وهو يعتدي عليه أو يلحد به, فينفي وجود الله أو ربما سبه وتعدى عليه سبحانه وتعالى؟ نقول: إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه خير الرازقين، ومعنى خير الرازقين أي: أن الله عز وجل يعطي، ولا يمنع لأجل التعدي عليه إلا من يتألم بالتعدي أو بالضر؛ لأن الإنسان إنما يحبس الرزق والعطية عمن آذاه لأنه يتأذى من تلك الأذية, أما إذا كان لا يتأذى فإنه لا يكترث لذلك، وعليه فالأمر يرجع فيه إلى ربوبية الله سبحانه وتعالى لعباده، ولأن الله عز وجل أوجد الإنسان وخلقه ولم يستأذن أحداً سبحانه وتعالى بخلقه, فالذي خُلق من غير إذن في أمره لا يستأذن في التشريع له؛ لأن خلقه أعظم عند الله عز وجل, فابتدأ الله عز وجل الإنسان بخلقه, وابتدأه سبحانه وتعالى بنعمته، ونعم الله عز وجل متعددة وأعلاها الإسلام, ويليها بعد ذلك ما يرزق الله عز وجل العبد من الرزق الحلال في أمر الدنيا.

... تصوير الإنسان في الأرحام بحكمة الله

قوله: (وصوره في الأرحام بحكمته)، يعني: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لحكمة ولغاية, وخلقهم أطواراً ليعلم الإنسان أصل نشأته فيعلم نهايته، ويعلم أيضاً طريقة إحيائه بعد ذلك، فالله عز وجل يعيدهم كما أنشأهم أول مرة، يعني: على سبيل الأطوار، فمن عرف بدايته عرف نهايته، فالله عز وجل خلق الناس في أرحامهم وصورهم سبحانه وتعالى، كما قال: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف:11]، فالله عز وجل خلق الإنسان ثم صوره، ومن العلماء من يقول: إن ((ثُمَّ)) هنا لا تفيد الترتيب الفعلي وإنما تفيد ترتيباً ذِكرياً، ويستدلون على ذلك بأن (ثم) كما تفيد عند العرب الترتيب الفعلي فإنها تفيد في بعض الأحيان ترتيباً ذكرياً ويستدلون بهذه الآية أيضاً, وبقول الشاعر:

قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده

شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيروانيص ٦