تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11].

وهنا في مسألة التعلم ذكر أنهم تعلموا العلم ثم وقفوا عند الحدود, ولم يعلموا ثم يفرطوا من جهة العمل؛ لأن العلم يقيم على الإنسان الحجة، والجاهل الذي لا يعمل خير من العالم الذي لا يعمل؛ لأن هذا أظهر في باب العناد, وإن لم يكن الجهل عذراً لكل أحد، والعالم كلما استزاد علماً استزاد معرفة بأحكام الله عز وجل وحكمه وأوامره, فإذا فرط في ذلك كان أظهر في المخالفة والعناد وعدم الاكتراث والمبالاة بأمر الله.

... الالتجاء إلى الله في فهم العلم ورعايته

قال المصنف رحمه الله: [أما بعد: أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه, وحفظ ما أودعنا من شرائعه, فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة، مما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها].

قوله: (أما بعد) , هي فصل الخطاب, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل فصل الخطاب في خطبه, وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده وفي كتاباتهم أيضاً, واختلف في أول من بدأ ذلك -وهذا يفتقر إلى دليل صريح في هذا- على أقوال, قيل ستة وقيل سبعة، ولكن لا يصح شيء من الأدلة صراحة في أول من قالها, وإن ثبت عن بعضهم ما نقل عنهم ذلك.

قوله: (أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه) هذا من الدعاء المستحسن في الدعاء للقارئ, للكاتب لهذه الرسالة.

وفيه أيضاً: أن الإنسان ينبغي أن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى في فهم العلم ورعايته, فربما يتعلم الإنسان العلم ولا يحفظ تلك الوديعة بالتفريط فيها، لا يحفظها من جهة العمل ولا يرعاها ويحفظها من جهة صيانتها من الهدر والنسيان, فإن الإنسان إذا أقيمت الحجة عليه ثم عطلها حفظاً وعطلها عملاً فإن ذلك أظهر في عدم المبالاة والاكتراث بأمر الله سبحانه وتعالى.

قوله: (وحفظ ما أودعنا من شرائعه) لدينا دين ولدينا شريعة، فدين الله عز وجل الإسلام وهو واحد, وأما الشرائع فهي متعددة، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، والدليل على أن الدين واحد قول الله جل وعلا: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، ولهذا نقول: إن الدين واحد والشرائع متعددة, تختلف في شرائع الأنبياء, وأما بالنسبة لدين الإسلام فهو واحد منذ أن أنزل الله عز وجل آدم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, إذا طرأ عليه تبديل فإنه يجدد في ذلك, ويستعمل الدين

شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيروانيص ١٢