انظر إلى كلمة (لمن اعتبره)، كأنه يخاطب من يفهم، لأن هناك من لا يفهم، بعض الناس لا يعرف ما تُقام به أركان الشيء، ما تُقام به أركان الشريعة. لو قلت لرجل: هذه سنة وبدعة، هو لا يعرف معنى السنة، لو قلت له: هذا ضلال هو لا يعرف معنى الضلال، وضربنا أمثلة كثيرة، تقول له: هذا فاسق، يقول لك: لم؟ تقول له: لأنه كاذب! فالناس يكذبون كثيرًا هل ستقول عنهم جميعًا فساق؟! لو جئت لرجل تقول له: فاسق، يقول لك لماذا؟ تقول له: زوجته تجلس مع الناس وهي سافرة، فإنه يستغرب كلامك؛ لأنه استمرأها، لا يعرف مزاج الشريعة.
تصور أن أنس بن مالك -رضي الله عنه- كان يقول: "أنتم تعملون أعمالًا كنا نعدها في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من النفاق هي في أعينكم أدق من الشعر"، قليلة لا قيمة له، وهذا للأسف نجده عند الناس، لا يُقيمون قيمة لقضايا عظيمة في الشرع، وكذلك الأدلة؛ تقول هذا دليل، وهو يقول: لا أفهمك! ولذلك قال: (لمن اعتبر)، هذه قضية مهمة جدًا، الناس حين تخاطبهم يجب عليك أن تخاطبهم بما هو مستقر في نفوسهم وأن ترفع موازينهم في معرفة الحق، حتى إذا خاطبته قلت: "حلال" هذه الكلمة لها موقعها من النفس، قلت له: "حرام" لها موقعها من النفس، قلت له: "سنة" هذه عظيمة عنده. أما الآن يقول لك: "هذه سنة! " يعني غير هامة، لأنهم لا يعرفون مقامات هذه الكلمات.
"- وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَ الشَّرِيعَةَ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ بِاتِّفَاقٍ، وَتَقَرَّرَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُعْتَبَرَةَ هِيَ الْكُلِّيَّاتُ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ":
الجزئيات يقوم بها المرء من جهة نفسه، والكليات يقوم بها المرء من جهة نفسه ومن جهة الآخرين، ولذلك المصالح المعتبرة هي النظر بالنسبة إلى الآخرين.
"إِذْ مَجَارِي الْعَادَاتِ كَذَلِكَ جَرَتِ الْأَحْكَامُ فِيهَا، وَلَوْلَا أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ أَضْعَفُ شَأْنًا فِي الِاعْتِبَارِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ":
هذه لم يقلها هو، لكن كأنها مقرَّرة عنده، وهو أن الكليات أهم من الجزئيات، فإذا تصادم كلي مع جزئي اعتُبر الكلي لأنه هو الأعظم، وهو يأتي إلى شرحها.
"وَلَوْلَا أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ أَضْعَفُ شَأْنًا فِي الِاعْتِبَارِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ بَلْ لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَجْرِ الْكُلِّيَّاتُ عَلَى حُكْمِ الِاطِّرَادِ":
إذًا شرط الكلية الاطِّراد، الجزئية تتخلَّف بحسبك، لكن شرط الكلي الاطراد بمعنى لا يجوز تخلُّفه، يجب أن يكون قائمًا، مُديمًا لها.