تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"كَالْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ، وَقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، مَعَ وُقُوعِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْآحَادِ":

الآحاد قد يقع منه الغلط والنسيان، ولكن قبول الشهادة في أصلها مع وجود احتمال الخطأ يجب أن تُعتبر، الخبر الواحد قد يخطئ، لكن هل هذا الخطأ يلغي قبول خبر الواحد؟ لا يلغيه، ولذلك الأصل هو إقامة الكليات، والجزء لا ينفيها.

"لَكِنِ الْغَالِبُ الصِّدْقُ؛ فَأُجْرِيَتِ الْأَحْكَامُ الْكُلِّيَّةُ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ حِفْظًا عَلَى الْكُلِّيَّاتِ، وَلَوِ اعْتُبِرَتِ الْجُزْئِيَّاتُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَلَامْتَنَعَ الْحُكْمُ إلا بما هو معلوم ولا طرح الظَّنُّ بِإِطْلَاقٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ حُكِمَ بِمُقْتَضَى ظن الصدق وإن برز بَعْدُ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ الْغَلَطُ فِي ذَلِكَ الظَّنِّ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا اطِّرَاحٌ لِحُكْمِ الْجُزْئِيَّةِ فِي حُكْمِ الْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ اخْتِلَافِ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ بِحَسَبِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ، وَأَنَّ شَأْنَ الْجُزْئِيَّةِ أَخَفُّ":

الأصل أو القاعدة ثابتة، هل يمكن لهذه القاعدة أن ينخرم بعض آحادها؟ يمكن، كما قال: قبول خبر الواحد؛ خبر الواحد الأصل فيه أنه عدل وثقة فيُقبل خبره، هذا الأصل، لكن هل هذا يمكن أن يُخرم؟ يمكن، أن خبر الواحد يمكن أن يخطئ. لكن لما تعارض هذا الخطأ وهو الجزئي مع قاعدة قبول خبر الواحد ما الذي قُدِّم؟ خبر الواحد، والجزء أُعمل عمله، لم يُلغَ، ولكن هذا لا يقدح في القاعدة.

قال: "وأن شأن الجزئية أخف"؛ لأنه لم يَقْوَ على طرد القاعدة.

"- وَمِنْهَا: مَا جَاءَ فِي الْحَذَرِ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، فَإِنَّ زَلَّةَ الْعَالِمِ فِي عِلْمِهِ أَوْ عَمَلِهِ -إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ لِغَيْرِهِ- فِي حُكْمِ زَلَّةِ غَيْرِ الْعَالِمِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ تَعَدَّتْ إِلَى غَيْرِهِ اخْتَلَفَ حُكْمُهَا، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِكَوْنِهَا جُزْئِيَّةً إِذَا اخْتَصَّتْ بِهِ وَلَمْ تَتَعَدَّ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ تَعَدَّتْ صَارَتْ كُلِّيَّةً بِسَبَبِ الِاقْتِدَاءِ وَالِاتِّبَاعِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، أَوْ عَلَى مُقْتَضَى الْقَوْلِ؛ فَصَارَتْ عِنْدَ الِاتِّبَاعِ عَظِيمَةً جِدًّا، وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ عَلَى فَرْضِ اخْتِصَاصِهَا بِهِ، وَيَجْرِي مجراه كل من عمل عَمَلًا فَاقْتَدَى بِهِ فِيهِ؛ إِنْ صَالِحًا فَصَالِحٌ، وَإِنْ طَالِحًا فَطَالِحٌ، وَفِيهِ جَاءَ: (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً)، وَ (إِنَّ نَفْسًا تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأول كفل منها؛ لأنه أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ)، وَقَدْ عُدَّتْ سَيِّئَةُ الْعَالِمِ كَبِيرَةً لِهَذَا السَّبَبِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نَفْسِهَا صَغِيرَةً، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَبْلُغُ الْقَطْعَ عَلَى كَثْرَتِهَا وَهِيَ تُوَضِّحُ مَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِ الْأَفْعَالِ تُعْتَبَرُ بِحَسَبِ الْجُزْئِيَّةِ والكلية، وهو المطلوب."

دلَّلْنا يعني ذكر أدلته، دَلَلْنا يعني نبهنا. بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرًا، والحمد لله رب العالمين.

شرح كتاب الموافقات للشاطبي · الصفحة ٧٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب الموافقات للشاطبيص ٧٩٦