تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجوز أن تُهلَك أمة، لأنه يؤدي إلى هدم معلم من معالم الحياة، أي أن هذه الحياة لا تستقيم إلا بوجود هذه المعالم على وجه الكثرة والقلة، المهم أن تكون موجودة ليتم التوازن، الناس لا تستقيم إلا بهذا، بوجود كل معالم الحياة. فلو فرضنا أن شعبًا تمالأ على ترك أمر من ضرورات الحياة لأدى إلى عدم التوازن، هذا في الأمر الشرعي، يقول لو أننا فرضنا أن الناس تركوا واحدًا من هذه المباحات كالقراض والمساقات وغيرها؛ لأدى إلى العنت والمشقة في الناس؛ يتعب الناس، لا يصير للحياة مجال. وهذا واجب على المحتسب، وواجب على وزارة التنفيذ، وهو أن تُوجِد للناس من مظاهر ما أجازه الشارع توسيعًا للناس، واجب عليها حتى تفتح هذه الأبواب ولا تغلقها، فانظر إلى هذا الأمر وإلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل الكلاب وقال: (إنها أمة من الأمم)، ودل هذا على أن زوال أمة مما خلق الله يؤدي إلى هدم التوازن.

أتوا ببعض الصقور ووضعوهم في إحدى مطارات أمريكا من أجل أن تطرد الطيور الداخلة فيها، النتيجة صارت الصقور أسوأ من التي تركوها! وهكذا، يذهبون فيُبيدون أمة من الأمم، فيؤدي إلى نتيجة أسوأ من بقائها.

الله خلق كل شيء لتتوازن هذه الحياة، ممنوع في باكستان صيد الغربان، بالقانون، لماذا؟ لأنه الذي ينظف الطرقات، وهو الذي ينظف المزابل هناك، ما عندهم إزالة المزابل في الأماكن القروية والأماكن الشعبية، من الذي ينظفها؟ الغربان، فلو قتلت؟ انظر الحياة كيف تمضي. فالحياة في الجانب القدري كالجانب الشرعي؛ فلا يجوز هدم معلم من معالم الشريعة ولو كانت على جهة الإباحة في أصلها، كما لا يجوز إزالة شيء من أشياء الوجود التي أقامها الشارع، لأنه يؤدي إلى مفسدة. علَّله بقوله: (إنها أمة من الأمم)، يعني أن كل ما يُطلق عليه أمة لا يجوز قتله على جهة الإفناء.

"نَعَمْ قَدْ يَسْبِقُ ذَلِكَ النَّظَرُ إِذَا تَقَارَبَ مَا بَيْنَ الْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ":

هذه يجب علينا أن ندركها دائمًا وهو أن الفقيه لتساوي الأمرين يحسبهما شيئًا واحدًا لاستوائهما، والصواب هو التفريق، دقة النظر: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾.

"وَأَمَّا إِذَا تَبَاعَدَ مَا بَيْنَهُمَا فَالْوَاقِعُ مَا تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ هَذَا النَّظَرِ جَارٍ فِي الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ؛ فَغَيْرُ وَارِدٍ، فَإِنَّ اخْتِلَافَ الْأَحْكَامِ فِي الْحُدُودِ ظَاهِرٌ، وَإِنِ اتَّفَقَتْ فِي بَعْضٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَّالِيُّ فَلَا يُسَلَّمُ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَإِنْ سُلِّمَ فَفِي الْعَدَالَةِ وَحْدَهَا لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَدَحَ دَوَامُ ذَلِكَ فِيهَا لنَدَرَتِ العدالة؛ فتعذَّرت الشهادة":

شرح كتاب الموافقات للشاطبي · الصفحة ٧٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب الموافقات للشاطبيص ٧٩٣