إذًا يمكن لرجل أن يكون الشيء في حقه مباحًا، ويكون هذا الفعل في حق غيره مكروهًا. فإن النظر للقاضي غير النظر لآحاد الناس، النظر إلى العالم غير آحاد الناس، النظر للمتَّبع من الناس غير التابع؛ فالناس يختلفون بحسب الأحوال، لا بد من النظر إلى هذا. مثلًا لو أن رجلًا أتى بشيء مكروه فأخذه الناس على جهة الإباحة صار محرمًا، لماذا؟ لأنهم اقتدوا به، هو مكروه في حق الناس لكن في حقه محرَّم، لأنه يُشيع هذا الأمر، فإشاعته ترفعه من درجة الكراهة إلى درجة التحريم. فإذًا تختلف الأحكام بحسب الأشخاص.
"وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى جَوَازِ التَّرْكِ فِي قَتْلِ كُلِّ مُؤْذٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آحَادِ النَّاسِ خَفَّ الْخَطْبُ، فَلَوْ فَرَضْنَا تَمَالُؤَ النَّاسِ كُلِّهِمْ عَلَى التَّرْكِ، دَاخَلَهُمُ الْحَرَجُ مِنْ وُجُوهٍ عِدَّةٍ":
إذًا هو يقول بأن ما قلته من أن القِراض جائز بالكل وجائز بالجزء غير صحيح، وأن المساقاة جائزة بالكل وجائزة بالجزء هذا غير صحيح، بحسب الأحوال، تصبح المساقاة مأمورًا بها، الحاكم يأمر بها لحاجة الناس إليها، يقول لبعض الناس اذهب فلا بد أن تساقي لأنك إن لم تُساقِ أدت إلى العنت. قال فلو فرضنا تمالؤ الناس كلهم على الترك داخَلَهُم الحرج من عدة وجوه.
"وَالشَّرْعُ طَالِبٌ لِدَفْعِ الْحَرَجِ قَطْعًا؛ فَصَارَ التَّرْكُ مَنْهِيًّا عَنْهُ نَهْيَ كَرَاهَةٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَشَدَّ، فَيَكُونُ الْفِعْلُ إِذًا مَنْدُوبًا بِالْكُلِّ إِنْ لَمْ نَقُلْ وَاجِبًا":
هذه قاعدة سنأتي إليها، هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ وهل النهي عن الشيء أمر بضده؟ أنا أضرب لكم مثالًا انتبهوا له.
نحن قلنا الأمر يقتضي الوجوب، لو قال رجلٌ: قف، هذا أمر بالوجوب، ما هو ضد الوقوف؟ النوم ضد الوقوف، الجلوس ضد الوقوف، الاتكاء، إذًا أَمْرُك بواحد نهيٌ عن أضداه. لو قال لك: لا تجلس، جاز لك أن تنام، فإذًا هو أمر بواحد أم بأمور متعددة؟ الأمر بالشيء نهي عن أضداه كلها، قال: قف، ممنوع تجلس، ممنوع تنام، ممنوع تضطجع، لو نهاك عن واحد فجاز لك أن تفعل أي واحد من أضداه، إذًا والنهي عن الشيء أمر بضده. يكفي أن تقوم بواحد فجاز لك.
"وَهَكَذَا الْعَمَلُ بِالْقِرَاضِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ؛ فَلَا اسْتِوَاءَ إِذًا بَيْنَ الْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ فِيهِ، وَبِحَسْبِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّاسَ لَوْ تَمَالَؤُوا عَلَى التَّرْكِ لَكَانَ ذَرِيعَةً إِلَى هَدْمِ مَعْلَمٍ شَرْعِيٍّ":
إخواني، من أعجب ما أراه -هذا أقوله في كل درس-، وهو المقارنة بين الأمر القدري والأمر الشرعي، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب، ثم قال: (لا تقتلوها فإنها أمة من الأمم)، هذا التعليل غريب، هذا التعليل يوافق ما نحن فيه من هذا الباب وهو أنه لا