"وَأَمَّا فِي الْمَكْرُوهِ؛ فَمِثْلَ قَتْلِ النَّمْلِ إِذَا لَمْ تُؤْذِ، وَالِاسْتِجْمَارِ بِالْحُمَمَةِ وَالْعَظْمِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُنَقِّي؛ إِلَّا أَنَّ فِيهِ تَلْوِيثًا أَوْ حَقًّا لِلْجِنِّ، فَلَيْسَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَلَا ثَبَتَ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ دَائِمًا يُحَرَّجُ بِهِ وَلَا يُؤَثَّمُ، وَكَذَلِكَ الْبَوْلُ فِي الْجُحْرِ، وَاخْتِنَاثُ الْأَسْقِيَةِ فِي الشُّرْبِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ":
واضح الكلام. قوله: (البول في الجحر) ورد فيه حديث ضعيف، نهى رسول الله عن البول في الجُحر قال: (مسكن إخوانكم من الجن) حديث ضعيف، حتى قال: سعد بن عبادة مات لما بال في جحر، وسمعوا الجن هاتفة: "نحن قتلنا سيد الأنصار سعد بن عبادة، رميناه بسهم فلم نخطئ فؤاده"، وهو حديث لا يصح.
اختناث الأسقية في الشرب: هو الشرب مع ملاصقة الفم بفم السِّقاء، لأن هذا يؤدي إلى الرائحة الكريهة، يعني واحد يشرب منها وإذا تكرر يصبح فمها كريهًا لوضع الفم عليها، يُسمى اختناث، والأصل هو ألا يشرب منها مباشرة، فلو قيل: بأن النبي شرب منها نقول هذا يدل على حالتين؛ إما أن هذا خاص للنبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه أطهر الناس فمًا وليس يُتصوَّر المعنى والعلة في فعله، وإما أن يُقال هذا صارف من التحريم إلى الكراهة.
وهو ما زال يؤكد على ما يريد أن يشرحه من القواعد.
"وَأَمَّا فِي الْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ؛ فَظَاهِرٌ أَيْضًا التَّسَاوِي، فَإِنَّ الْحُدُودَ وُضِعَتْ عَلَى التَّسَاوِي؛ فَالشَّارِبُ لِلْخَمْرِ مِائَةَ مَرَّةٍ كَشَارِبِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَاذِفُ الْوَاحِدِ كَقَاذِفِ الْجَمَاعَةِ، وَقَاتِلُ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ كَقَاتِلِ مِائَةِ نَفْسٍ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ تَارِكُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ الْمُدِيمِ التَّرْكِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا؛ فَقَدْ نَصَّ الْغَزَّالِيُّ عَلَى أَنَّ الْغَيْبَةَ، أَوْ سَمَاعَهَا، وَالتَّجَسُّسَ، وَسُوءَ الظَّنِّ، وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَكْلَ الشُّبَهَاتِ، وَسَبَّ الْوَلَدِ وَالْغُلَامِ، وَضَرْبَهُمَا بِحُكْمِ الْغَضَبِ زَائِدًا عَلَى حَدِّ الْمَصْلَحَةِ، وَإِكْرَامَ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ، وَالتَّكَاسُلَ عَنْ تَعْلِيمِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ؛ جَارٍ دَوَامُهَا مَجْرَى الْفَلَتَاتِ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا غَالِبَةٌ فِي النَّاسِ عَلَى الْخُصُوصِ، كَمَا كَانَتِ الْفَلَتَاتُ فِي غَيْرِهَا غَالِبَةً؛ فَلَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ دَوَامُهَا كَمَا لَا تَقْدَحُ فِيهَا الْفَلَتَاتُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ اسْتَقَامَتِ الدَّعْوَى فِي أَنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تَسْتَوِي، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَفْعَالُ بِحَسَبِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ.
وَلِصَاحِبِ النَّظَرِ الْأَوَّلِ أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّ مَا اسْتُشْهِدَ بِهِ على الاستواء مُحْتَمَل.
أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّ الْكُلِّيَّ وَالْجُزْئِيَّ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمُكَلَّفِينَ":